مجتمع

مقبرة الغفران بالبيضاء… مهن في عالم الأموات

تسول وتجارة وشركة خاصة تتكلف بالخدمات وتنافس بين “الطلبة” لتلاوة القرآن

شمس حارقة وصمت رهيب لا تفوقه سوى رهبة الموت المخيمة على المكان، الساعة تشير إلى الثانية زوالا واليوم يوم جمعة، نوجد بمقبرة الغفران، كبرى مقابر الدار البيضاء، فبمساحة تناهز 173 هكتارا تستقبل المقبرة ما بين 20 و30 جثمانا في اليوم، كما يمكن أن يصل العدد إلى 50 في بعض الأيام الدموية التي تشهد حوادث سير مميتة أو كوارث طبيعية.

هنا الموت ليس فقط حدثا حزينا، بل هو فرصة للعمل وكسب المال بطرق مختلفة. موظفون، عمال حراسة، باعة، متسولون وغيرهم، كلهم ربطوا مصدر رزقهم بعالم الأموات.
صادف وصولنا إلى المقبرة قدوم سيارة لنقل الموتى تحمل جثمان شيخ توفي اثر أزمة قلبية، يرافق السيارة عدد من أفراد العائلة متأثرين بالفاجعة، مما يجعل منهم صيدا سهلا للمتسولين، فالموت قادر على تليين أشد القلوب قسوة، إلا قلوب من اعتادوا التعايش معه كل يوم داخل المقبرة.

تسول وتجارة
عند المدخل الرئيسي للمقبرة، يجتمع حشد من المتسولين على كراس متنقلة مدعمين بجيش من الأطفال والنساء، ينخرطون جميعا في ما يشبه هستيريا من الدعوات بالرحمة للمتوفين والصبر للأهل، فيما يقوم أفراد من عائلة المتوفى بتوزيع التمر والخبز والتين المجفف على المتسولين وفق العادات والتقاليد المتبعة في مثل هذه الحالات.
كل هذه السلع يشتريها زوار المقبرة من دكاكين أمام الباب الرئيسي للمقبرة ليتم توزيعها على المتسولين الذين يقومون بإرجاعها إلى الباعة بثمن أقل من أجل بيعها للزوار الجدد،  في حين يقوم النساء والأطفال بمرافقة الموكب الجنائزي إلى داخل المقبرة بهدف الحصول على بعض الدراهم التي تصل، حسب أحد الأطفال ممن اعتادوا الحضور في المقبرة إلى 100 درهم في اليوم.
ينقلب سلوك المتسولين سريعا إلى العدوانية، إذا حاول أحد أقارب المتوفى طردهم أو إبعادهم عن القبر، إذ يكيل الأطفال وابلا من السب والشتم للحاضرين قبل الابتعاد في اتجاه موكب جنائزي آخر بحثا عن دراهم جديدة.

القرآن بمقابل
ما إن تنتهي محنة العائلة مع المتسولين، حتى يبدأ مسلسل جديد من الابتزاز من طرف من يسمون بـ»الطلبة» ، مجموعة مشكلة من ثلاثة أشخاص يترأسهم شخص يسمى المقدم، ينطلقون في تلاوة «سورة ياسين» دون طلب الإذن من أهالي الفقيد مصطنعين نوعا من الخشوع الذي يناسب الجو العام للمقبرة، ليبدأ مسلسل من الدعوات للراحل يؤثر في الحاضرين الذين ينخرطون في موجة من البكاء، يستغلها “الطلبة” من أجل المطالبة بمقابل من أجل الخدمة التي قدموها.
عبد الرحمان شاب في عقده الثالث، يشتغل “طالب”، ولكن بشكل انفرادي، يتجول طيلة اليوم داخل شوارع المقبرة في انتظار زوار باحثين عن قبر أحد الأقارب يحفظ جميع الأماكن، ويساعد الزوار في الوصول إلى القبر المراد زيارته، ليبدأ في قراءة بعض الآيات مقابل مبالغ بين عشرة وخمسين درهما.
بالنسبة إلى عبد الرحمان، رمضان شهر جيد، خصوصا في هذه الفترة من السنة، والتي تصادف عودة العديد من مغاربة المهجر، يقول عبد الرحمان “في أيام رمضان، تصل المداخيل أحيانا إلى 500 درهم، غير أن المنافسة كبيرة بحكم وجود الكثير من “الطلبة” في أروقة المقبرة”، منافسة تدفع عبد الرحمان أحيانا إلى اقتسام بعض المداخيل مع “طلبة” آخرين يزاحمونه عند أحد القبور.

بناء القبور

تصل تكاليف الدفن في المغرب إلى 170 درهما ، 100 منها من أجل إدارة المقبرة و 70 درهما تحصلها  الشركة المكلفة بالحفر والبناء، غير أن مجموعة من المواطنين اختاروا شراء قطع أرضية داخل المقبرة من أجل إنشاء مدافن عائلية يصل ثمنها إلى 80 ألف درهم في بعض الأحيان. في حين يقوم مواطنون آخرون ببناء قبور عائلاتهم وتزينها بالرخام، وكذا إقامة شواهد للقبور مثل هذه الأعمال تكلف ما بين 300 و 1500 درهم حسب جودة المواد المستعملة وطريقة البناء.
تتكفل شركة خاصة بجميع هذه الأشغال، الشركة اتخذت مقرها داخل المقبرة على بعد أمتار قليلة من الإدارة إذ يتم بناء الشواهد وتهييء مواد البناء للقبور المحظوظة في حين تبقى مجموعة من القبور بدون بناء بسبب ضعف الحالة المادية للأهل أو لأسباب أخرى ، ويبقى المسؤولون عن الشركة متكتمين عن قيمة المداخيل التي يدرها هذا القطاع الذي لا يعرف الأزمات.

نقل الأموات
تقدم الجماعات المحلية خدمة نقل الأموات مجانا للمواطنين، غير أن هذا القطاع بدأ يعرف ظهور شركات خاصة كالشركة المغربية لنقل الأموات، اسم الشركة يثير استغراب المارة بشارع مرس السلطان بالدار البيضاء، للشركة فروع في العديد من المدن، تقدم خدمات متعددة كالنقل من وإلى المغرب، وكذا خدمات الدفن واستخراج الجثث وإعداد التوابيت، وكل ما يمكن أن يرافق مراسم الجنازة.  الشركة تقدم خدماتها بشكل مستمر طيلة الأسبوع و 24 ساعة على 24 ، غير أنها لا تعرف إقبالا كبيرا من طرف المغاربة الذين يفضلون الخدمة المجانية للجماعات المحلية، في حين يلجأ  الأجانب وغير  المسلمين إلى مثل هذه الشركات من أجل مراسيم الدفن.
وتتراوح أسعار الخدمات المقدمة من طرف الشركة، حسب مديرها، محمد رامي، بين 500 درهم من أجل توابيت لنقل المغاربة و12 ألف درهم من أجل إعداد توابيت للأجانب. كما تحقق شركات النقل أهم تعاملاتها مع شركات التأمين التي تقوم بنقل الجثث من خارج المغرب، لتقوم هذه الشركات بإتمام مهمة إيصالها إلى العائلات فوق التراب الوطني بأثمنة تختلف حسب قيمة التابوت وإمكانيات العائلة.
أصبحت تجارة الموت تشكل سوقا مهما تتداخل فيه مجموعة من الأنشطة المهنية المهيكلة وأيضا الهامشية موفرة بذلك مصدرا للرزق لمجموعة من المواطنين ممن اختاروا البحث عن الحياة بين الأموات.

 

أيوب لحرش (صحافي متدرب)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق