خاص

بانوراما رمضان: خواطر مسلم في المسألة الجنسية – الحلقة الثالثة –

إظهار اللذة جائز دينيًا

تنبع أهمية المسألة الجنسية، حسب محمد جلال كشك، من أنها تعكس من ناحية، مفاهيم وأخلاقيات الحضارة والتصور العام لهدف الوجود الإنساني، والعلاقات بين طرفي هذه المعادلة الإنسانية، ولذلك ركز في دراسته “خَواطِر مُسْلِم فِي المَسْألة الجِنْسِيّة” على الفارق الجوهري أو الكيفي بين النظرة الإسلامية للجنس، ونظرة المسيحية الغربية.  فكلتا النظرتان تمثل

موقفًا حضاريًا متكاملاً ومتعارضًا. كما ركز على دور المسألة الجنسية في المواجهة الحضارية، خاصة في القسم الخاص باللواط.

الجنس وتشريعاته يحتلان مكانًا بارزًا في القرآن والسنّة، ورسول الله وكبار المسلمين من الصحابة والتابعين والفقهاء مارسوا الحياة الزوجية والجنسية على أكمل وجه. والرسول يأمر بالزواج أساسًا، ويجعل العزوبية استثناء: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة (الجماع ومسؤوليات الزواج) فليتزوج، فإنّه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنَّه له وجاء (أي مسكن أو مخفف للشهوة).
وقد أعلن النبي أنَّه: «لا رهبانية في الإسلام»، ورفض موقف الصحابي الذي قال إنَّه لن يتزوج ليتفرغ للعبادة (مفهوم بولس) وردّ عليه النبي: ‏»أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله، إني لأخشاكم‎ ‎لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي ‏وأرقُد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي‎ ‎فليس مني» «البخاري ومسلم‎».
وقال: «مسكين مسكين رجل لا زوجة له، مسكينة مسكينة امرأة لا بعل لها» وقال معاذ: « زوجوني .. لا ألقى الله تعالى وأنا أعزب «! رضي الله عنه وعنهم إنْ كانوا قد زوجوه.
والمتزوج عندنا من أكمل دينه (فالزواج نصف الدين) وهو أولى بالصلاة خلفه من الأعزب… وأولى بتولّي الخلافة أو الإمارة من الأعزب في حالة تساوي الشروط الأخرى…
والإمام الحافظ أبو عبد الله بن القيم الجوزية يحدد أسباب الاتصال الجنسي، أو لماذا خلق الله الغريزة الجنسية فيقول: «يحفظ به الصحة، ويتم به اللذة وسرور النفس، ويحصل به مقاصده التي وضع لأجلها – فإنَّ الجماع وُضع في الأصل لثلاثة أمور هي مقاصده الأصلية:
– حفظ النسل ودوام النوع إلى أن تتكامل العدة التي قدر الله بروزها إلى هذا العالم
– إخراج الماء الذي يضر احتباسه واحتقانه البدن.
– في قضاء الوطر ونيل اللذة، والتمتع بالنعمة. وهذه وحدها هي الفائدة التي في الجنة إذ لا تناسل هناك، ولا احتقان يستفرغه الإنزال.
وأكد الكاتب أنه مطالب بأنْ يقف لحظة عند التشابه الموجود في رواية التوراة والقرآن حول اكتشاف آدم وحواء لسوآتهما فأخذا يخصفان عليهما من ورق الجنة .. فقد يبدو أنَّ تفسيرات «ترتوليان»  و»الأكويني» قريبة من هذا النص القرآني، ولكن ذلك غير صحيح، فليس في التراث الإسلامي ولا في سلوك الرسول والصحابة، ما يعطي أي إيحاء بوجود مثل هذا الفهم عن الجنس، فليس في الإسلام حبّ بين رجل وامرأة بلا جنس، لأنَّ ذلك يفضي إلى جنس بلا حبّ. وقد رأينا أنَّ شيخنا قد نصّ على اللذّة كهدفٍ من أهداف خلق الغزيزة الجنسية، بل جعلها هي الدائمة، بانتفاء التناسل، وإفراز الغدد .. ومن ثمّ حقّ لنا القول بأن الجنس بين آدم وحواء كان للذّة وحدها.. وتفسير ظهور السوأة، أنَّهما كانا يُمارسان اللذّة بدون أي شعور بالخجل أو الإثم، أو أيّ إحساس بأنَّ الجنس فعل خاص تحيط به رموز خاصة، تميّزه عن سائر المُتع، فلا عيب فيه، ولا مُبرّر للخجل منه، ومع الاعتذار للقديس أغسطين فلابدّ أنَّ أجهزتهما الجنسيّة كانت نشطة، وإلاَّ لاستحال عليهما ممارسة الجنس بلذّة أو بدون لذّة .. وإذا كان آدم قد لاحظ بعد الخطيئة -انتعاظ جهازه فخجل، فماذا لاحظت حواء، أو بالأحرى ماذا خجلت منه خشية أنْ يلاحظه الآخرون؟ ونشاط جهاز المرأة التناسلي لا يمكن ملاحظته من الخارج بسهولة..
وعبر عن اعتقاده أنَّه بعد المعصية، لم تظهر اللذة، فهذه موجودة من قبل، بل ظهر الإحساس بالألم والخجل، ومعرفة ما سيترتب على الجنس من الحمل، والميلاد .. والأولاد .. فاللذة كانت موجودة وصافية وبلا تعقيدات، ثم أضيفت إليها التعقيدات والمسؤوليات، والقلق، والخجل .. فإذا ما حسن سلوكنا في هذه الدنيا، فسنعود إلى الجنة حيث الحالة الأولى؟ أي الجنس لذّة خالصة بلا حياء ولا ندم ولا توجّس، حتى وإن استمرت الثياب كلون من المتعة، إذ لا شكّ أنَّ الإنسان أكثر جمالاً وإثارة بالثياب – معظم الناس على الأقل – وخاصة إذا كانت من ثياب الجنة، سندس واستبرق. فعندنا أنَّه في البداية كانت المتعة واللذّة مع القيد الوحيد الذي وضع علي الشجرة، والتحذير من الشيطان. فلما حدثت المعصية، كان الخجل والندم والقلق، والعار، والعورة .. وكل التعقيدات التي جاء الإسلام ليُحرّرنا منها. ويعيدنا إلى المفهوم الأوّل .. وبعد المغفرة يذهب هذا كله وتعود اللذّة التي بلا حدود ولا قيود ولا حواجز نفسية.

إ . ر

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق