خاص

بانوراما رمضان: مسلمو أمريكا بعد 11 شتنبر – الحادية عشرة –

شباب الأمريكيين المسلمين لا يعتمدون على أئمة تقليديين

الإسلام في أمريكا من أسرع الديانات انتشارا، إذ يوجد أكثر من ستة ملايين مسلم في الولايات المتحدة يعيشون كلهم في ظل أحداث حادي عشر شتنبر. ففي أعقاب تلك الأحداث أصبح أغلب الناس في أمريكا يعتنقون وجهة نظر واضحة: المسلمون إرهابيون، والإسلام دين عنف، والمسلمون متأخرون يشعرون برغبة في الانتقام من الغرب.

وهكذا أصبح إيجاد هوية أمريكية إسلامية متميزة أكثر إلحاحا عما كان في الماضي، فبعد أحداث حادي عشر شتنبر أصبح المسلمون في وضع دفاع عن النفس، بينما كان آخرون يحددون بصورة مستمرة هويتهم وديانتهم، فبالنسبة إلى العديد من المسلمين أصبح حادي عشر شتنبر صيحة استيقاظ: إما أن يعتنقوا ويشرحوا معنى العقيدة الحقيقية أو ينضموا إلى التفجيرات الانتحارية في قطاع غزة أو المقاتلين في شوارع بغداد.
وهذه الحلقات من كتاب «مكة والاتجاه العام… حياة المسلمين في أمريكا بعد حادي عشر شتنبر»، يعتبر رحلة شخصية لجنيف عبده، وهي مؤلفة وصحافية أمريكية عربية مشهورة أفاقت في حادي عشر شتنبر على هوية جديدة فرضت عليها، بصبغة عربية أكثر وأمريكية أقل.
الكتاب ينظر إلى حياة المسلمين نظرة تختلف تماما عن التخيلات والشخصيات النمطية، والإكلشيهات التي تسيطر على الخيال الأمريكي، والذي نورد منه الحلقات التالية:

لقد عمل الشيخ حمزة، وغيره من العلماء الذين ولدوا في أمريكا، على مدى ما يقرب من عشر سنوات، سيما بعد أحداث حادي عشر شتنبر، في معهد الزيتونة في هايوارد بكاليفورنيا، بالقرب من سان فرانسيسكو لوضع إجابات لمثل تلك الأسئلة. فشباب المسلمين يعتبرون جزءا من الأمة الأمريكية، والاهتمام بالمؤمنين ذو منزلة كبيرة في أركان الإسلام الخمسة.
فعلماء معهد الزيتونة يشكلون من مبنى المعهد المزخرف بالجبس والذي تحيط به أشجار النخيل والزيتون الباسقة طريقا للحياة لأتباعهم، وتمتد تعاليمهم أيضا إلى خارج كاليفورنيا، فهم لا يكتفون بالقيام بجولات في أنحاء البلاد لتعليم أتباعهم، ولكن العلماء من مدن أخرى يقومون بنشر أفكارهم، ففي شيكاغو على سبيل المثال يراس الدكتور عمر فاروق عبد الله، وهو أحد أساتذة الشيخ حمزة، مؤسسة النواوي. وهذا المعهد، شأنه شأن الزيتونة، يقوم بتعليم شباب الأمريكيين المسلمين كيفية تفسير النصوص المقدسة.
ويعتمد هؤلاء العلماء على القرآن والسنة في تطبيق المذهب الإسلامي على الحياة الحديثة، وعلى ذلك يمكن أن يطلق عليهم اسم التقليديين الجدد. ويعتمد علمهم على تفسيرات العلماء المحترمين الذين عاشوا في مستهل العصر الإسلامي، بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في عام 642 ميلادية بوقت قصير. وهم يفسرون النصوص عن طريق الاجتهاد، أو التفكير المستقل. ويسمح الاجتهاد للأئمة أن يفسروا العقيدة طبقا لمتغيرات الحياة الحديثة مع الالتزام بمبادئ الإسلام الأساسية. ويختار الشيوخ بحذر من أقوال الرسول الكريم الكثيرة، وهي الأحاديث التي توارثتها الأجيال، وللأحاديث تأثير على العلماء الذين كتبوا الشريعة الإسلامية التي تحدد ما هو حرام وما هو حلال للمسلمين. ومن المعروف أن بعض الأحاديث تواترت عن علماء موثوق بهم، في حين أن بعضها الآخر يعتبر ضعيفا، وهي إما مأخوذة عن رواة غير موثوق بهم أو جاءت من رواة كثيرين.
ولم يعد شباب الأمريكيين المسلمين يستطيعون أن يعتمدوا على أئمة لهم عقلية تقليدية قديمة، والذين يطلق عليهم الجيل الثاني من المسلمين لقب “الأعمام” باحترام ومحبة. ففي كل يوم جمعة، يقوم الأعمام بتلاوة آيات من القرآن في المساجد. ولا يشعر إلا القليل من أتباعهم أن هذه الآيات تضيف معنى إلى حياتهم في القرن الواحد والعشرين. وعندما لا يدفع هؤلاء الأئمة أتباعهم إلى النعاس وهم يستمعون إلى الآيات، فإنهم يخبرونهم أن الكثير من الثقافة الأمريكية حرام في الإسلام. وبتوسع المجتمعات الإسلامية في لندن وهامبورغ وباريس وسان فرانسيسكو، يظهر نوع الأسئلة نفسها: كيف يستطيع المسلمون الحفاظ على دينهم وعقائدهم في وسط الممارسات الثقافية في الغرب، حيث يكون فندق حياة مكانا للدرس الديني؟ ومن الذي سيتولى إرشادهم الديني؟
هناك فجوة أجيال في أمريكا بين الأئمة والعديد من المؤمنين، فشباب المسلمين يرفضون الإسلام الذي يمارسه آباؤهم والأئمة الذين كان الآباء يعجبون بهم، رغم أن بعضهم لا يعرف كلمة واحدة بالإنجليزية. فقد كان آباؤهم يمارسون عقيدة مثقلة بالطقوس، والتقاليد والقصص الشعبية، ولم يكن لديهم وقت أو اهتمام بإقامة مؤسسات مثل المدارس الإسلامية، التي يمكن أن تتيح فرصا لتحصيل تعليم ديني رسمي، ولكن أبناءهم لا يكتفون بالبحث عن العقيدة بل يبحثون أيضا عن المعرفة الدينية، وبينما لم يحدث أن تحدى آباؤهم نصائح الإمام، والذي قد يخبرهم مثلا أن إطلاق الألعاب النارية في عيد الاستقلال الأمريكي محرم في الإسلام، فإن أبناءهم يطلبون دليلا من القرآن والحديث على ذلك.
وبينما كان آباؤهم يكتفون بإتباع إسلام تمليه عليهم تقاليدهم العرقية وليس التعاليم الدينية، فإن الأبناء يفرقون تماما بين هذين النوعين.
إن الجيل الجديد يهتم، على عكس آبائهم، برموز تدل على انتمائهم إلى المجتمع الإسلامي، وربما كان الحجاب أقوى تعبير عن هذه الهوية، كما أن إطلاق اللحية وعدم تشذيبها يعتبر إظهارا هاما للهوية الإسلامية لرجال الأمريكيين المسلمين، ولكن الأخذ بها أقل حماسا من الأخذ بالحجاب للنساء، إن هناك خطرا أكبر إطلاق اللحية، لأن غير المسلمين كثيرا ما يعتبرونه دليلا على الراديكالية، وليس الإيمان.
وعندما لم تكن هناك سلطة دينية في الماضي في الولايات المتحدة، كان الجيل السابق يعتمد عادة على الشيوخ من مصر أو السعودية لأخذ الإرشاد الديني، ولكن المسلمين الذين يشكلون حاليا جزءا من الحرمة الروحية الجديدة، يعتمدون بدلا من ذلك على الأئمة الذين يفهمون حياتهم في أمريكا.
يجب عدم الاستهانة بعمل الأئمة، فبمجرد قيام المشايخ بتفسير التعاليم الواردة في النصوص الإسلامية التي أنزلها الله على النبي محمد عليه الصلاة والسلام، يجب عليهم تطبيق هذه التعاليم على الحياة الحديثة للمسلمين في الغرب، فعلى سبيل المثال، كثيرا ما يتساءل المسلمون عما إذا كان الحصول على الجنسية الأمريكية، وهي دولة غير مسلمة، أمرا محرما. وبعد التباحث مع العلماء الذين يعتقدون أنهم متفقهين ويمكن الاعتماد على رأيهم، يقدم شيوخ الزيتونة الإجابة. وتعتمد نصيحتهم على حديث عن رجل جاء إلى النبي محمد عليه الصلاة والسلام وقال إن الناس أخبروه أنه يجب عليه أن يهاجر إلى أرض المسلمين، وإلا فإنه يكون من الخاسرين. فيأمر الرسول الرجل أن يتجنب ارتكاب الشرور وأن يعيش في أي مكان يراه جيدا له. ومن هذا الحديث قرر شيوخ الزيتونة أن المسلمين يمكن أن يعيشوا في بلاد غير بلاد الإسلام، ماداموا يستطيعون ممارسة دينهم بحرية.

إعداد: أمينة كندي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق