خاص

بانوراما رمضان: أسرى حرب الصحراء… قصص تدمي القلب 2

محمد لعور… عسكري أجبر على حفر الآبار وزرع الخضر

يحلم بعيش كريم وسكن لائق ووضع معنوي ينسيه سنوات الاعتقال

جلهم مروا من مركز الروبيني، الكائن فوق التراب الجزائري، ذاق أغلبهم مرارة التعذيب بمختلف صنوفه. إنهم جنود وعسكريون مغاربة، سقطوا في قبضة الأسر من قبل شرذمة من انفصاليي جبهة بوليساريو. هناك من قضى أزيد من ربع قرن في الأسر، سنوات كلها معاناة، لكن رغم القواسم المشتركة بين الجنود الأسرى المغاربة، إلا أن لكل حالة خصوصيتها. مازال هؤلاء يحملون

 

ذكريات فلم تنفع نعمة النسيان في إسقاطها من ذاكرتهم، وبقيت المشاهد
والصور واللقطات عالقة في الأذهان. “الصباح” التقت بمجموعة من الأسرى، جالستهم ساعات طوالا، وتقاسمت معهم صفحة أليمة من تاريخهم، إلا أن العودة لم تضع نقطة نهاية لهذه المآسي، بل فتحت صفحة
أخرى، إنها معركة مستمرة بحثا عن الكرامة، وعن سبل العيش الكريم.

يغالب محمد لعور نفسه ليتذكر معاناته في مخيمات تندوف، حيث أسر لمدة فاقت 23 سنة.
كان لعور من حاملي السلاح، ومكلفا بالمراقبة الإدارية في منطقة الفارسية القريبة من أوسرد ضواحي مدينة الداخلة خلال ثمانينات. فكل من كان يشتغل في المنطقة، يعد من حاملي السلاح. يتذكر لعور، قائد مجموعة ضباط الصف، جيدا التوتر الذي كان قائما في المكان. توالت الحركات الهجومية على الجنود والمرابطين في منطقة أوسرد، وعادة ما يتم هذا في ساعات مبكرة، أو عندما يسدل الليل ستاره. في أواخر شهر فبراير سنة 1987، وبالتحديد، يوم 25 منه، شنت عناصر من جبهة بوليساريو الانفصالية هجوما شرسا على قطاع الفارسية، كان بمثابة هجوم انتحاري، يصف القائد محمد لعور، الذي كان ضمن المجموعة التي اعتقلت في حدود الساعة الرابعة من صباح يوم 25 فبراير 1987.
ألقي القبض على أزيد من 80 عسكريا من مختلف الرتب، “حملونا في سيارة من نوع لوند روفيير، وتم اقتيادنا إلى مركز الروبيني”، إنه مركز قيادة الجبهة، حيث تمارس مختلف صنوف التعذيب على الأسرى المدنيين والعسكريين الذين يسقطون في قبضة الانفصاليين.
“كانوا يمارسون عليها أعمالا وحشية، يضربوننا في مختلف أنحاء الجسد، غير مبالين بما يمكن أن تخلفه تلك الضربات الوحشية على أجسادنا”، يحكي لعور الذي اشتكى من الألفاظ النابية والكلام السيئ والمهين للكرامة الذي لا يتوقف انفصاليون عن ترديده على مسامعنا، فكانت الدماء تغلي في عروقنا، وليس أي سبيل أمامنا للخلاص من هذه الإهانة”.
في “مركز الروبيني”، ذاق محمد لعور العذاب الجسدي والنفسي الشديدين، كما أنه لم يسلم من الأعمال الشاقة التي أنهكت قواه. يقول إن الانفصاليين “يرغموننا على حفر الآبار، وتشييد الأسوار، كنا نقوم بكل هذا، ونحن نتضور جوعا، وبطوننا فارغة، إلا من قليل من العدس والفاصوليا الجافة”. مل الأسرى المغاربة من حرمانهم من وجبة الإفطار، والاقتصار على تناول القطاني عند الغداء، “تعبنا من سوء التغذية، ومن الأعمال الشاقة التي يفترض أنها تحتاج إلى طعام متوازن، فطيلة سنوات الأسر في مخيمات تندوف، لم نذق طعم خضر أو لحم، حرمنا من الأكل المتوازن، ففقدنا الوزن، وضعفت قوتنا”. أما الإقامة في المخيم، يقول لعور، “فإن هذه المخيمات تفتقر لأبسط شروط العيش، كانت الروائح الكريهة تنبعث من كل حدب وصوب، بسبب قلة المياه، وحتى الماء الموجود، غير صالح للشرب، بسبب درجة الملوحة العالية”.
استغل قياديون في الجبهة، وجود الأسرى المغاربة في تندوف، فأخذوا يكلفونهم بأعمال من شأنها أن تساعد على الحياة في مخيمات العار، مثل حفر الآبار لجلب مياه صالحة للشرب، وإقامة ضيعات فلاحية، لضمان استقلالية المخيمات عن الجزائر. اختير محمد لعور من بين الذين تكلفوا بهذه المهمة. من المراقبة الإدارية في ثكنة عسكرية، وجد محمد لعور نفسه “فلاحا بامتياز”. أصبح يجيد زراعة الخضر، ويتقنها. استبعد محمد لعور فكرة الفرار، شأنه شأن مجموعة من الأسرى، “بمجرد إشاعة خبر هروب أحد المحتجين، كان الانفصاليون يعاقبوننا عقابا جماعيا، ويطلبون منا الإبلاغ عن الحالات التي تنوي الفرار، حتى لا نتعرض للتعذيب الجماعي، ونذوق عقوبة لا يمكن أن يتصور المرء بشاعتها”. عندما يفر أحد الأسرى، تعلن حالة طوارئ في المخيمات. يجرد المحتجزون من ثيابهم، و”يطلب منا افتراش الأرض الحامية، ليزحفوا فوقنا، أو أننا نستعد لكي يمر قياديون فوق أجسادنا، وهم يتلذذون بتعذيبنا، ويتعاملون معنا كأننا حشرات، ولسنا بشرا”. يتذكر لعور أعداد الأسرى المغاربة الذين تمت تصفيتهم على مرمى ومسمع الجميع. “كانوا يتخلصون من بعضنا بطريقة أقل ما يمكن وصفها به أنها وحشية، ولا علاقة لها بالآدميين”، يقول لعور الذي يتذكر جيدا قصة الأسير أحمد الذي تم التخلص منه بصب البنزين فوق جسده، ثم عمدوا إلى حرقه، فأصبح متفحما، “كان مشهدا مؤلما، وتأثرنا كثيرا لما وقع له، وما وقع لعدد من الأسرى الذين فارقوا الحياة تحت التعذيب”.
بقي محمد لعور على هذا الحال أزيد من 14 سنة، تقدم سنه، وضعفت قوته، أشرف على عقده الخامس، ولم يعد يقوى على الأعمال الشاقة أو على ممارسة الفلاحة، فقد ترك وراءه ستة أبناء، وحفيدا، ونال منه الأسر، فأنهك قواه.
في تلك الفترة، بدأ الصليب الأحمر يتحرك لإنقاذ المغاربة المحتجزين لدى بوليساريو، إلى جانب تدخل بعض الدول لإنقاذ الأسرى المغاربة. أعطيت الأولوية للعجزة والمرضى، وكان محمد لعور من المرشحين ليعود إلى أرض الوطن، خصوصا أن طبيب المخيمات منعه من الاستمرار في مزاولة العمل في الضيعات الفلاحية. مبادرة العودة تطلبت سنوات من النقاش، والاختيار. فعدد المفروض فيهم الاستفادة من العودة كبير، بسبب طول مدة الأسر، وما تعرض له المغاربة من ممارسات أضعفتهم وجعلت عودتهم أمرا استعجاليا.
بعد أزيد من 23 سنة من الاعتقال في مخيمات تندوف، تقرر الإفراج عن محمد لعور. عاد إلى بلاده يحمل ثقل آلام سنوات من الأسر. وجد أطفاله الذين تركهم صغارا، رجالا وآباء، ما عدا فتاة واحدة بدون زواج.
أطفأ محمد لعور هذا العام شمعته الـ76، غير أنه مازال يعاني آثارا نفسية جراء ما تعرض له، كما أن حالته الصحية في تدهور مستمر، وهو الآن يطالب، شأنه شأن باقي أسرى الحرب، بتعويض عن السنوات التي قضاها في “ضيافة الانفصاليين”. يحلم محمد العور بعيش كريم، وبسكن لائق، وبوضع معنوي ينسيه سنوات المعاناة والعذاب.

نادية البوكيلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق