fbpx
تقارير

صندوق التقاعد… ما بعد حقائق لجنة التقصي

حكومة العثماني تواجه مطلب تجميد الإصلاح المقياسي والشارع يستعد للاحتجاج

أوصت لجنة تقصي الحقائق حول الصندوق المغربي للتقاعد بتجميد الإصلاح المقياسي، والرجوع إلى تفعيل توصيات اللجنة الوطنية لإصلاح أنظمة التقاعد لمباشرة الإصلاح الشمولي. وطالبت اللجنة التي ترأسها عزيز بنعزوز، رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس المستشارين الدولة بأداء ما بذمتها من متأخرات مستحقة دون تحديد حجمها، مع احتساب الفوائد، وتحديد حجم المتأخرات في إطار الحوار الاجتماعي. وأوصت اللجنة في تقريرها بضمان
استقلالية الصندوق، وضبط صدقية البيانات الخاصة بالمنخرطين ومراجعة النصوص المتعلقة بالمحفظة المالية للنظام، وإحداث نظام خاص بالتعويضات العائلية تموله الدولة، مع مراجعة نسبة مساهمة الدولة
والمشغل والمنخرط بما يتلاءم والمبادئ الدولية. ويبقى السؤال كيف ستتعامل حكومة العثماني مع تقرير اللجنة، وهل يمكن إعادة فتح الملف داخل جلسات الحوار الاجتماعي، وإيقاف الإصلاح المقياسي
الذي جرى تمريره بالبرلمان السابق؟ خاصة أن تنسيقيات مدنية تستعد لاستئناف الاحتجاج والمطالبة بحماية حقوق المتقاعدين.

إعداد: برحو بوزياني

وقف تقرير لجنة تقصي الحقائق حول الصندوق المغربي للتقاعد التي شكلها مجلس المستشارين، عند اختلالات الصندوق، وأزمة نظام المعاشات المدنية، من خلال العودة إلى تقارير العديد من المؤسسات الوطنية، خاصة تقارير المجلس الأعلى للحسابات والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والتي أجمعت كلها على تشخيص أسباب الأزمة،  وتدهور نظام المعاشات المدنية.
وحسب التقرير، يعتبر المؤشر الديمغرافي المتسم بتزايد عدد المتقاعدين، مقابل انخفاض عدد المنخرطين السبب الرئيسي في الاختلال، إذ انتقل المؤشر من 12 نشيطا لكل متقاعد في 1986 إلى 6 فقط في 2000، ليتعمق أكثر في 2016، حيث وصل إلى معدل 2.2، وهو المستوى الذي ينتظر أن يصل في 2024 إلى 1.5 نشيط لكل متقاعد.
والمثير في لغة الأرقام، حسب التقرير دائما، هو تفسير تدهور نظام المعاشات أيضا بارتفاع أمد الحياة لدى المتقاعدين، واستفادتهم لمدة أطول من المعاشات التي تمول من انخراطات الفئة النشيطة، والتي أصبح عددها في تناقص مستمر، بالنظر إلى تأخر الولوج إلى سوق الشغل، ما يعني المساهمة لمدة أقصر في تسديد الانخراطات، حيث انتقل سن الانخراط في النظام من 24 سنة في المتوسط سنة 1986، إلى 27 سنة في 2004.
وبخصوص المؤشر المالي، أكدت لجنة تقصي الحقائق أن أداء معاشات المتقاعدين بناء على آخر أجو يتقاضاه الموظف أثناء مزاولة عمله المهني، ساهم بدوه في تدهور النظام بسبب عدم تناسب بين المساهمات المحصلة والمعاشات المستحقة، ناهيك عن المنحى التصاعدي الذي تعرفه الترقية في الدرجة بالإدارات العمومية، مع اقتراب موعد الإحالة على التقاعد.
وإذا كانت هذه العوامل هي المنطلق في تحديد أزمة نظام المعاشات، فإن اللجنة وقفت على اختلالات ومخالفات قانونية، اعتبرتها خرقا سافرا لنصوص صريحة، من قبيل تجميد الصندوق دون سند قانوني سنة 1957، ما أحدث فراغا مؤسساتيا، نجم عنه خلط كبير في الجوانب المحاسباتية بين مختلف الأنظمة التي كان يسيرها الصندوق، وهو الخلط الذي استمر إلى غاية 1996، تاريخ إعادة هيكلة الصندوق المغربي للتقاعد، على عهد المدير العام السابق محمد بن ادريس، الذي اعترف بإقبار الصندوق منذ 1958 ، قبل إحيائه في 1996.
والأكثر من ذلك، وقفت اللجنة البرلمانية خلال بحثها للوثائق التي تمكنت من الاطلاع عليها، عند غياب مطلق للأرشيف الذي يوثق نشاط الصندوق طيلة 40 سنة، إذ لم تتوصل سوى بوثائق الفترة الممتدة ما بين 1996 و2016.
والمثير أنه خلال أربعين سنة، ظل الخلط في الحسابات وفي الأصول العقارية للأنظمة التي يدبرها الصندوق، وظلت مصلحة بوزارة المالية هي المكلفة بتسيير حساب واحد يدبر نظام المعاشات.
ومن بين أسباب الأزمة أيضا، حتى بعد إعادة هيكلة الصندوق في 1996، تسديد عجز نظام المعاشات العسكرية من فائض نظام المعاشات المدنية، ضدا على مقتضيات  القانون الذي ينص على الفصل التام بين حسابات الأنظمة المذكورة، وقد أثار هذه الإشكالية تقرير المجلس الأعلى للحسابات، واعترف بذلك المديران العامان للصندوق محمد بن إدريس والعلوي العبدلاوي، وأيضا فتح الله ولعلو، وزير المالية الأسبق.
وعوض أن تتحمل الدولة مسؤوليتها في صرف التعويضات العائلية، ظل الصندوق المغربي للتقاعد يصرف تلك التعويضات من نظام المعاشات المدنية، بطريقة غير قانونية، حيث تشكل هذه المبالغ من التعويضات 1.5 في المائة من المبلغ الإجمالي للمعاشات الممنوحة.
وبخصوص عدم أداء الدولة باعتبارها مشغلا، لمساهماتها طيلة 40 سنة، أوضح التقرير أن اللجن التقنية التي عهد إليها من قبل إدارة الصندوق بتحديد حجم المتأخرات الدولة صرحت بمبلغ 19 مليار درهم، قبل أن يتم تخفيض المبلغ بعد التفاوض إلى 11 مليار درهم، وهو المبلغ الذي تمت تأديته كاملا، حسب تصريح محمد بوسعيد، وزير الاقتصاد والمالية، خلال جلسة الاستماع مع لجنة تقصي الحقائق.
وفوت عدم أداء هذه المبالغ طيلة أربعين سنة على نظام المعاشات فرص استثمار الأرصدة الاحتياطية في فترة كانت الأسواق المالية تتيح ذلك.
ومن الاختلالات الكبرى التي وقف عندها التحقيق، ما أسماه تقرير اللجنة الغموض في صرف بعض المعاشات، التي تحوم حولها شبهات، جراء عدم مراقبة حول وفيات المتقاعدين وأزواج الأرامل، بالإضافة إلى جمع عدد كبير من المتقاعدين بين رواتبهم المدفوعة من ميزانية الدولة  ومعاشاتهم التي تؤدى من الصندوق المغربي للتقاعد. وبخصوص تدبير المحفظة المالية لنظام  المعاشات المدينة، كسف التقرير ضعف مردوديتها، بسبب قلة الكفاءات المتخصصة في السوق المالي وتقنيات البورصة بين موظفي الصندوق، وهيمنة الاستثمار في سندات الخزينة، وعدم منح مرونة أكبر في توظيف المحفظة المالية.

تأثير المغادرة الطوعية
على خلاف ما ذهب إليه محمد بن إدريس من تأثير المغادرة الطوعية على توازنات الصندوق، برأ وزير الاقتصاد والمالية ومدير الصندوق ذمة الدولة من التبعات المالية للمغادرة الطوعية. ولم يقتصر الأمر عند مسؤولية الدولة في عدم تسديد المتأخرات، بل شملت الفوضى أيضا الجماعات الترابية، حيث اعترف المدير العام الأسبق بوجود تأخرات كبيرة لدى الجماعات، بل أكثر من ذلك لم يكن الصندوق يعلم حتى عدد الجماعات ولا عدد موظفيها، لتستمر عملية تسوية المتأخرات لأزيد من 10 سنوات.
ومن بين المستويات التي وقفت عندها لجنة تقصي الحقائق ضعف مردودية الأوعية العقارية للصندوق، من خلال الفشل في توظيفها في الكراء، والتي لم يجن منها أي أرباح، وحصول تجاوزات في تفويت معظمها، همت الأثمنة الهزيلة التي عرضت بها مقارنة مع الأسعار المعمول بها، ناهيك عن عدم توفر الصندوق على وثائق ملكية تلك العقارات.
وخلصت اللجنة إلى أن الصندوق كان يفتقد إلى نظام للحكامة وغياب حصيلة محاسباتية بكل نظام، ناهيك عن عدم وجود آلية للرقابة وتدبر المخاطر بالصندوق، بالإضافة إلى ضعف الموارد البشرية المختصة في تدبير المحفظة المالية.

سوء تدبير الأسهم

وقف التقرير عند ما أسماه سوء التدبير والذي خلف خسائر في تدبير الأسهم، خاصة تلك المتعلقة بشركة مناجم والبنك الوطني للإنماء الاقتصادي، رغم تحفظ وزارة الاقتصاد والمالية، على شراء هذه الأسهم، حيث ناهزت الخسائر 92 مليون درهم، وهي الأرقام التي أوردها المجلس الأعلى للحسابات في تقريره سنة 2006.
وساهمت المغادرة الطوعية في 2005، في تعميق أزمة الصندوق، حيث همت 38736 موظفا أزيد من النصف منهم من الأطر، حيث أثرت العملية سلبيا على التوازن المالي للصندوق، من خلال دفع فوري لمعاشات المستفيدين، وتوقف مساهمات الدولة والموظفين، ما كلف الصندوق تحمل أعباء إضافية قدرت بـ 7.483 ملايير درهم، قامت الدولة بتسديدها على دفعات للصندوق خلال 3 سنوات، على شكل سندات للخزينة.
واعترف المدير الأسبق للصندوق بأن قرار المغادرة الطوعية حكمه الهاجس المالي في إطار توصيات البنك الدولي والاتحاد الأوربي حول كتلة الأجور المرتفعة، والتي تغطي 12 في المائة من النتاج الداخلي الخام.
وأكدت مسؤول الصندوق أن اتخاذ هذا القرار كان يستوجب مرافقته بإجراءات احترازية موازية، كي لا يؤثر على توازنات نظام المعاشات المدنية، وقد تحملت الدولة الآثار المالية بضخ 7 ملايير درهم ونصف مليـــــــار درهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى