خاص

أسرار السطو المسلح على مجوهرات “أوروميكانيكا”

المصري خطط للجريمة الكاملة لكن الأبحاث المتسارعة فضحته بسبب خطأ بسيط

ينتظر أن تحيل، اليوم (الخميس)، المصلحة الولائية للشرطة القضائية على المحكمة العسكرية، المشتبه فيهم الأربعة الموقوفين اثر حادث السطو على كيلوغرامات من المجوهرات الذهبية قرب جمارك البيضاء باستعمال السلاح الناري. ونظم والي أمن البيضاء، عصر أول أمس (الثلاثاء)، بعد تمديد الحراسة النظرية للمتهمين، لقاء مع وسائل الإعلام احتضنه الطابق السابع

 

لمقر الولاية، وحضره رؤساء الشرطة القضائية وعناصر من الشرطة العلمية، وتم خلاله عرض المحجوزات من مسدسات وذخيرة حية وأقنعة
ومبالغ مالية بالعملتين الوطنية والأورو، وضبط جزء منها بحوزة المتهم الأول المسمى علي المصري، وجزء آخر حجز بسيارة إحدى زوجاته.

أوضح العميد الهلالي أثناء استعراضه تفاصيل عملية إلقاء القبض على المشتبه فيهم، مسار الأبحاث التي قادتها عناصر الشرطة القضائية، منذ فاتح غشت الجاري تاريخ الاعتداء، إلى السبت الماضي، حين إلقاء القبض على المتهم الرئيسي وحل لغز الجريمة، ولغزي جريمتين أخريين كانتا عبارة عن محاولتين فاشلتين للسطو على محلين لبيع المجوهرات الأول ببرشيد والثاني بالبيضاء.بدا المشتبه فيه “علي المصري” أثناء عرضه على المصورين الصحافيين، غير راض عن تصويره وأحنى وجهه ثم التفت إلى الجهة التي تحميه من عدسات المصورين، فيما أجهش أحد مشاركيه بالبكاء مرددا “أنا ما درت والو”، أما الآخران فقد لاذا بالصمت ولم ينبسا ببنت كلمة.
عملية السطو على ذهب أورو ميكانيكا، انبثقت من فكرة راودت المصري وصديقا له مقيما بأوربا وهما ببلجيكا، بعد أن شاهدا برنامج 45 دقيقة على القناة الأولى، إذ عرض البرنامج روبورتاجا عن مراحل صياغة الذهب ومساراته إلى أن يصل إلى تجار القيساريات، فأسالت الكمية التي يحملها مستخدمو الشركة إلى الجمارك بوسط مدينة البيضاء، لعاب صديق المصري المقيم ببلجيكا والذي يتاجر في المجوهرات، فأغراه بمبلغ مالي كبير إن استطاع الحصول على الكمية المعلن عن حملها إلى الجمارك في البرنامج التلفزيوني من قبل المستخدم.
ما يعادل مليارين من السنتيمات هو المبلغ المالي الذي وعده به صديقه. لم يكن المصري غريبا عن المجال، على العكس كانت له استعدادات قبلية، فقد حاول مرتين سرقة محلات تجارية إلا أنه فشل، الأولى في رمضان الماضي باستعمال سلاح ناري من عيار 7،65 بعد أن هاجم تاجر ذهب داخل محله، إلا أن صراخ التاجر (ب. م) حشد المواطنين ما دفع الجاني وشريكه إلى الفرار، والثانية خطط فيها للسطو على محل بقيسارية بالبيضاء، إلا أن اختلافا مع مساعديه دفعه إلى العدول عنها والتفكير في عملية تكون مضمونة مائة في المائة، سيما بعد أن نجح في الإفلات من رجال الشرطة القضائية اثر تنفيذه الهجوم الأول ببرشيد وإطلاقه الرصاص، ما خلف لديه ثقة في النفس واعتقادا بأنه نجح في تنفيذ الجريمة الكاملة، وأن الشرطة بأساليب عملها لن تهتدي إليه.
ستة أشهر هي المرحلة الفاصلة بين البرنامج التلفزيوني الذي فتح أمامه صفقة العمر، وهو المقاول الفاشل، صاحب الشركات التي أخذ بواسطتها قروضا بنكية ثم حولها إلى شركات وهمية، وعاشق الفتيات الموسرات بهدف الانقضاض على ممتلكاتهن، فقد تزوج فتاتين، وكان يستعد لعقد قرانه على الثالثة.
حب المصري للمال وعشقه ركوب الدراجات النارية كبيرة الحجم وركوب سيارة توارك الفارهة، جعله مدينا بمبالغ مالية كبيرة، فكان خلاصه من ضائقته المالية ومحافظته على مستوى عيشه الراقي والتردد على المطاعم والكاباريهات، معادلة شق عليه حلها عن طريق العمل والمثابرة، فاختار أقصر السبل إلى المال وهو اللصوصية، معتقدا أن ذكاءه الذي لم ينفعه في مجال الأعمال سيعوضه في عمليات السطو المسلح بما يحتاجه من مال.

المحجوزات التي ضبطت بحوزة المتهم الرئيسي
كان المصري، وهو من مواليد 1982 بحي المعاريف، أعد العدة قبل عودته إلى المغرب بعد زيارة بلجيكا في إطار السياحة، وهناك بحث عن مسدس أوتوماتيكي من 9 ملمترات ليتمكن من اقتنائه من شخص أفاد خلال الاستماع إليه أنه تركي ينتمي إلى إحدى العصابات ببلجيكا ليضيفه إلى المسدس الأول الذي كان يملكه وهو من عيار 7،65 ملم والذي كان جلبه بدوره من بلجيكا، أما الثالث الذي كان من صنع تقليدي فقد أكد أنه اقتناه من شخص يعمل حارس أمن ويقطن بدرب غلف بمبلغ 1500 درهم.
استطاع المصري إدخال المسدس الأوتوماتيكي والذخيرة الحية بالطريقة نفسها التي أدخل بها الأول، عبر الحدود الشمالية، إذ كان أخفاه في جوف العجلة الاحتياطية.
عاد إلى البيضاء وانطلق في التخطيط لتنفيذ السطو المسلح على مستخدم أورو ميكانيكا الذي يحمل الذهب إلى الجمارك، ودرس المسار الذي يقطعه منذ خروجه ورفيقه من الشركة في اتجاه وسط المدينة، كما تعرف على السيارة التي تستعمل في النقل، أما ملامح المستخدم فقد ترسخت في ذهنه بعد تكرار مشاهدة البرنامج التلفزيوني عبر الأنترنيت.اقتنى في الأسبوع الأخير من يوليوز الماضي الدراجة النارية كبيرة الحجم  ktm super 950 وهي التي ستسهل عليه العملية لأنها معروفة بسرعتها الفائقة وبقدرة عجلتيها على الصمود في الرمال والسلالم الإسمنتية، بمبلغ 17500 درهم، وقبل تنفيذ الجريمة في فاتح غشت الجاري، تقدم نحو شركة ببنجدية متخصصة في بيع العجلات المطاطية الخاصة بالنوع سالف الذكر من الدراجات النارية، وهي الشركة الوحيدة التي تتوفر عليها.في فاتح غشت الجاري تربص بالمستخدم قبل خروجه من الشركة، فقد أصبح ملما بمواعد التوجه إلى الجمارك لدمغ المجوهرات، وبعد خروجه وصديقه على متن السيارة تعقبهما وشريكه على متن الدراجة النارية، وكانا يضعان بالإضافة إلى الخوذة قناعين داخليين وقفازات على أيديهما، وقبل أن يصلا إلى مصلحة الجمارك اختصرا الطريق ليسبقا المستخدمين إلى المكان المفروض ركن السيارة فيه، وهو ما تم بالفعل، إذ بينما كان المستخدم يستعد لحمل حقيبة المجوهرات توجه إليه المصري ببرودة دم ليطلق عليه الرصاص، ويحمل الحقيبة، وببرودة الدم نفسها يركب الدراجة النارية ويختفي من المكان، تاركا أربع رصاصات في جسد المستخدمين بمعدل رصاصتين لكل واحد، والخامسة اخترقت بوابة سيارة متوقفة تعود لموظف بمصلحة الجمارك.
المتهمون الأربعة
أربع دقائق هي المدة الزمنية التي قطعها المشتبه فيهما بعد تنفيذ العملية من أمام مصلحة الجمارك إلى طريق أزمور بحي وكانتي حيث تخلصا من الدراجة النارية والخوذتين، ليفرا على متن السيارة رباعية الدفع ويتركا أسئلة محيرة أمام المحققين.
كان المصري أعد كل شيء، فمقتني المجوهرات المسروقة ينتظر بفارغ الصبر نجاح العملية، وبما أن الكمية كانت 10 كيلوغرامات وتساوي قيمتها الحقيقية حوالي 400 مليون سنتيم، فقد تسلم منه المبلغ المالي الذي يوازي 120 مليون سنتيم، ثم غادر المشتري أرض الوطن في اتجاه بلجيكا وهو يحمل معه الذهب المسروق.
العملية نفذها شخصان، المصري وصديقه، أما الشخصان الآخران الموقوفان فيتعلق الأمر بحارس الأمن الخاص الذي باع المسدس التقليدي للمصري، ثم الآخر المشتبه فيه الثاني في تنفيذ محاولة السطو على تاجر الذهب (ب. م) بمدينة برشيد.
لكن كيف وصلت الشرطة القضائية بالمصلحة الولائية إلى المتهمين؟ وكيف حلت لغز الجريمة المحيرة، التي صنفت عبثا ضمن الجريمة المنظمة وأثارت الرعب في صفوف المواطنين؟
انطلقت الأبحاث في اليوم نفسه الذي نفذت فيه الجريمة، إذ في عصر ذلك اليوم عثرت الشرطة القضائية على الدراجة النارية وفوقها الخوذتان المستعملتان أثناء الهجوم، وذلك بطريق أزمور، فانطلقت مسارات البحث، بين ذلك الذي باشرته عناصر الشرطة العلمية بالبحث عن العينات التي يمكن أن تساهم في تحديد البصمات أو الحمض النووي، فيما بوشرت أبحاث حول الدراجة المحجوزة، فتبين على مستوى قاعدة المعطيات الخاصة بالسيارات والدراجات المسروقة الممسوكة على صعيد الأنتربول المعروفة اختصارا ب I-24/7  ، أن الدراجة النارية مصرح بسرقتها من إيطاليا سنة 2009، ليتم تعميم صورة الدراجة النارية على جميع مصالح الأمن ومراجعة مصالح تسجيل السيارات وتصحيح الإمضاءات، ليتوصل المحققون إلى أن الدراجة النارية كانت موضوع عمليات تفويت بين ثلاثة أشخاص في مدن سلا والعرائش والبيضاء تم إيقافهم إضافة إلى وسيطين، وتم الاستماع إليهم وإحالتهم على محكمة الاستئناف في حالة اعتقال بتهم حيازة بضاعة من أصل أجنبي خاضعة لمبررات الأصل وتفويتها بطريقة غير مشروعة.

الخيط الرفيع في البحث

على ضوء التوقيفات سالفة الذكر أفاد أحد الموقوفين أنه باعها إلى شخص يجهل هويته بتاريخ 21 يوليوز الماضي، أي 10 أيام قبل الجريمة، ومنح المحققين رقم هاتف تبين أنه استعمل مرة واحدة لغرض اقتناء الدراجة النارية ثم ألغي.
استغلت العلامات الشخصية التي أدلى بها الشخص الموقوف وتم رسم صورة تقريبية للمتهم.
أبحاث الشرطة العلمية لم تفد في شيء، فالمتهمان لم يتركا أي دليل، إذ أنهما كانا يستعملان قفازات في اليدين وأقنعة من قماش تغطي الرأس والوجه ولم يتركا بصمات أو شعر أو أي شيء.
المعاينة التقنية للدراجة أوضحت أنها تتوفر على عجلتين مطاطيتين جديدتين، ما رجح فرضية أنها خضعت لإصلاحات قبل تنفيذ العملية الإجرامية، ليباشر بحث لتحديد باعة العجلات المطاطية ويهتدي المحققون إلى محل بيعها ببنجدية، وبالاتصال به وعرض الأمر عليه أفاد أنه خلال الشهر كله باع عجلتين فقط في الأسبوع الماضي، ودل على شركة أخرى تقوم بتركيب العجلات، فعرضت على العاملين بها الدراجة فأكدا أن عجلتيها بدلتا في المحل نفسه من قبل أحد الأشخاص سبق له أن غير عجلات سيارته، وانتهى البحث إلى أن أحد المستخدمين كان يعاني ألام الأسنان وشكا لصاحب العجلتين فدله على طبيب أسنان آمرا إياه بالتوجه إليه وإخباره بأنه مرسول من قبل شقيقه علي.
كانت هذه التصريحات الخيط الرفيع الذي قاد إلى المتهم، إضافة إلى أن الطلبيات تؤدى عن طريق شيك، ما فعله المتهم بعد أن دفع شيك شركته الوهمية لتجارة الخشب.
تم تنقيط المتهم ومراقبته من بعد إلى أن جمعت عنه كل المعلومات، فتبين أنه شغل منزلا بحي المعاريف بزنقة أبو فارس وآخر بزنقة المكناسي ببوركون والثالث بزنقة بيير بارون المتفرعة عن شارع محمد الخامس، ليتم بعد ذلك إيقافه.
حاول المتهم تضليل الشرطة والإنكار، إلا أنه بمعاينة شقته تم حجز ما يفيد ضلوعه في الجريمة، إذ تم حجز مبلغ مالي من الأورو يفوق 10 آلاف جل أوراقه من فئة 500، وعثر في سيارة مملوكة لزوجته على 20 ألف أورو.
وبسيارته التي كان يركنها بحي بلفيدير قرب محطة المسافرين، فعثر على مسدس من عيار 7،65 ملم وآخر أوتوماتيكي من عيار 9 ملمترات ومسدس تقليدي 22lr بالإضافة إلى 96 طلقة نارية من حجم 9 ملمترات و6 من حجم 7 ملمترات و2 خرطوشات من فئة 7 ملم و11 عيارا ناريا خاصا بالمسدسات الاوتوماتيكية وقنينة كبيرة للغاز المسيل للدموع ومدية كبيرة الحجم وأربعة أقنعة ومبلغ مالي آخر من العملتين الوطنية والأوربية.
وانتهت الأبحاث إلى أن المتهم هو نفسه الذي نفذ جريمة برشيد، إذ أن المختبر الوطني للشرطة التقنية بالرباط أكد أن السلاح الناري من فئة 7،65 ملم هو نفسه المستعمل في العملية.
وتم إيقاف شركاء المتهم، فالأول ساعده في عملية برشيد ويبلغ من العمر 24 سنة، والثاني حارس أمن خاص يبلغ من العمر 35 سنة باعه المسدس التقليدي بدرب غلف، أما الثالث ويبلغ 22 سنة فهو شريكه في السطو على 10 كيلوغرامات من الذهب، إذ كان الاعتقاد أنهما استوليا على 11 كيلوغرامات، لكن الحقيقة أنها 10 كيلوغرامات التي كانت في الحقيبة بينما كيلوغرام ونصف بقي في السيارة داخل كيس بلاستيكي.
بقيت الإشارة إلى أن الخلية الأمنية التي تكلفت بالحث وساعدت في الإيقاف والحجز، تشكلت من رؤساء الشرطة القضائية بكل من الحي المحمدي والبرنوصي ورئيس الفرقة الجنائية وأيضا رئيس فرقة الشرطة القضائية آنفا، بتنسيق مع رئيس المصلحة الولائية الذي أشرف على البحث، كما أن حل لغز الجريمة شكل نجاحا وأظهر كفاءة وجهودا في التعاطي مع الجرائم الخطيرة.

إنجاز : المصطفى صفر

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق