خاص

بانوراما رمضان: فتنة الإفتاء 6

يجب التروي في الفتاوى التي تلزم الحد

حدد الفقهاء والعلماء السابقون أو المعاصرون مجموعة من المواصفات والمؤهلات التي يتعين أن تتوفر في المفتي، التي إذا لم تتوفر في الشخص، فإنه لا يكون مؤهلا للإفتاء، ولا يجب أن تصدر الفتوى عنه، كما أن الدولة مطالبة بمراقبة مجال الفتوى والتحقق من مدى توفر الشروط والمواصفات في الشخص الذي تصدر عنه، تحت طائلة اتخاذ عقوبات ضده، مادام أن مجالها لا

يقل أهمية وخطورة عن المجالات الأخرى المنظمة بالقانون والتي تهم الحياة المجتمعية، خاصة أن الفتوى أصبحت تلج إلى كل البيوت سواء عبر الفضائيات أو الإنترنيت أو من خلال الأقراص المدمجة أو مختلف وسائل الاتصالات الأخرى.
وخلال السنوات العشر الأخيرة ركزت الجهود من أجل إصلاح المجال الديني، الذي أصبح يعاني اختلالات كبرى، ما أدى إلى بروز توجهات متطرفة شيوخ تكفيريين يصدرون فتاوى غريبة لاقت استهجان الجميع دون أن تكون لهم المؤهلات العلمية لذلك، ودون التقيد بالضوابط الفقهية التي حددها العلماء. من خلال هذه السلسلة نستعرض عددا من الشروط التي يتعين توفرها في المفتي والضوابط الفقهية التي يتعين التقيد بها.

أجمع العلماء أنه إذا أفتى مفت بفتوى يلزم بها الحد على إنسان وجب عليه أن يبين أن إقامة الحدود لا تجوز إلا للسلطان وحده أو من يقوم مقامه، كما يجب عليه أن يتروى في مثل هذه الفتاوى ويبين الشروط التي تلزمها .
ويعتبر هذا الضابط من الضوابط المهمة جدا في العصر الحالي، الذي انتشر فيه التكفير واستباحة الدماء وتطبيق الحدود ممن لا يجوز له ذلك شرعاً.
كان أبو حنيفة، رحمه الله، إذا سئل عمن قال : أنا أصدق من محمد بن عبد الله، أو عمن قال : الصلاة لعب وعبث، أو قال لقصيدة بعض الشعراء هي أحسن من القرآن قال : يجب أن لا يبادر المفتي بأن يقول : هذا حلال الدم، أو مباح النفس، أو عليه القتل، بل يقول : إذا صح ذلك إما بالبينة أو بالإقرار استتابه السلطان، فإن تاب قبِل توبته، وإن لم يتب أنزل به كذا وكذا، وبالغ في ذلك وأشبعه .
قال: وإن سئل عمن تكلم بشيء، يحتمل وجوها يكفر ببعضها دون بعض قال: يسأل هذا القائل. فإن قال : أردت كذا ، فالجواب كذا .
واعتبر العلماء أنه يستحب للمفتي أن يطلب من السائل تكرار السؤال  .
قال ابن القيم، رحمه الله، «في ذلك فوائد عديدة : منها أن المسألة تزداد وضوحا وبيانا بتفهم السؤال ، ومنها أن السائل لعله أهمل فيها أمرا يتغير به الحكم فإذا أعادها ربما بينه له، ومنها أن المسؤول قد يكون ذاهلا عن السؤال أولا، ثم يحضر ذهنه بعد ذلك.
من جهة أخرى أكد العلماء أنه لا يجوز للمفتي الإفتاء في شيء تم فصله بالقضاء الشرعي، لأن القاضي الشرعي حكمه في المسائل الشرعية ملزم لجميع الأطراف ولا يجوز نقضه .قال الآمدي، رحمه الله، : اتفقوا (أهل الرأي) على أن حكم الحاكم لا يجوز نقضه في المسائل الاجتهادية .
وقال ابن الشاط، رحمه الله، : المفتي إذا استفتي في عين تلك المسألة التي وقع الحكم فيها لا تسوغ له الفتوى فيها بعينها، لأنه قد نفذ فيها الحكم ومضى العمل بها. وعلى المفتي أن يحيل بعض المسائل إلى القضاء الشرعي أو دور الفتوى ولا يفتي فيها بنفسه، على غرار مسائل الإرث والطلاق والمنازعات وما شابه ذلك.
ومما لا شك فيه أن هذا التوجه هو الأفضل في الدين، لأن دور ومؤسسات الفتوى الرسمية والمحاكم الشرعية في مسائل الطلاق مثلا يمكنها أن تستدعي المرأة والرجل وتسألهما بالتفصيل عن الواقعة وتحيط بالملابسات كافة وهذا لا يتوفر للمفتي في كثير من الأحيان، كما أنه يجعل الناس لا يتساهلون في هذه المسائل بعد ذلك.
هذه بعض الضوابط الشرعية الميسرة التي وضعها أهل العلم من أجل تحصين مجال الفتوى وضمان عدم ولوجه من طرف غير المؤهلين، وذلك لتجنب الفتنة في الدين. ويتعين الآن على المسؤولين في البلدان الإسلامية أن يعيدوا إحياء هذا التراث وتفعيله، سيما مع الفوضى التي يعانيها الإفتاء في العصر الحالي، الذي أصبحت الفتاوى تصدر فيه يمينا وشمالا، وفي بعض الأحيان تحت الطلب، ما يتطلب حزما في التعامل مع مثل هؤلاء المتنطعين الذي يفتنون الناس في دينهم، ويسيئون إلى الإسلام بجهلهم لقواعد الإفتاء ومستلزماته.

عبد الواحد كنفاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق