خاص

بانوراما رمضان: فتنة الإفتاء 5

لا يجوز الإفتاء في مسائل بلد دون الإلمام بخصوصياته

حدد الفقهاء والعلماء السابقون أو المعاصرون مجموعة من المواصفات والمؤهلات التي يتعين أن تتوفر في المفتي، التي إذا لم تتوفر في الشخص، فإنه لا يكون مؤهلا للإفتاء، ولا يجب أن تصدر الفتوى عنه، كما أن الدولة مطالبة بمراقبة مجال الفتوى والتحقق من مدى توفر الشروط والمواصفات في الشخص الذي تصدر عنه، تحت طائلة اتخاذ عقوبات ضده، مادام أن مجالها لا

يقل أهمية وخطورة عن المجالات الأخرى المنظمة بالقانون والتي تهم الحياة المجتمعية، خاصة أن الفتوى أصبحت تلج إلى كل البيوت سواء عبر الفضائيات أو الإنترنيت أو من خلال الأقراص المدمجة أو مختلف وسائل الاتصالات الأخرى.
وخلال السنوات العشر الأخيرة ركزت الجهود من أجل إصلاح المجال الديني، الذي أصبح يعاني اختلالات كبرى، ما أدى إلى بروز توجهات متطرفة شيوخ تكفيريين يصدرون فتاوى غريبة لاقت استهجان الجميع دون أن تكون لهم المؤهلات العلمية لذلك، ودون التقيد بالضوابط الفقهية التي حددها العلماء. من خلال هذه السلسلة نستعرض عددا من الشروط التي يتعين توفرها في المفتي والضوابط الفقهية التي يتعين التقيد بها.

أنشاهد من خلال قنوات الإفتاء، التي انتشرت وكثرت في السنوات الأخيرة، دعاة ينشطون برامج ويصدرون فتاوى على مسائل يتلقونها عبر اتصالات هاتفية من مختلف بلدان المعمور، علما أن عددا منهم يجهلون خصوصيات البلد المعني بالفتوى، ما يتنافى مع الضوابط الشرعية للإفتاء، إذ يفرض العلماء، في هذه الحالة، على المفتي معرفة عرف أهل البلد الذين يفتيهم والتعويل عليه في الفتوى خاصةً فيما يتعلق بالألفاظ ، وإلا لم يجز له إفتاؤهم .
قال النووي، رحمه الله، : لا يجوز أن يفتي في الأيمان والإقرار ونحوهما مما يتعلق بالألفاظ إلا أن يكون من أهل بلد اللافظ أو متنزلا منزلتهم في الخبرة بمرادهم من ألفاظهم وعرفهم فيها .
وقال القرافي، رحمه الله، : هذه قاعدة لا بد من ملاحظتها ( أي معرفة العرف والتعويل عليه في الفتوى ). وإذا أخذنا هذه القاعدة بعين الاعتبار سيصبح عدد من الفتاوى التي تصدر عن دعاة الفتاوى في غير محلها.
ولا ينبغي، في هذا السياق، لشخص أن يفتي في المسائل التي لها خصوصية ببلد غير البلد الذي يسكنه، وعليه أن يحيل المستفتي على علماء أهل هذا البلد الذي تعلقت به المسألة .
وفي هذا الصدد قال علماء الأصول: «الحكم على الشيء فرع عن تصوره». وعليه كيف يتصور واقع الحال من هو بعيد عنه ولا يقاسي ما فيه .وبناء على ذلك إذا نزلت بأحد بلاد المسلمين نازلة من حرب أو عدو أو نحوه فإن على المفتين خارج هذا البلد أن يمتنعوا عن الفتوى فيما يتعلق بهذه النازلة ويحيلوا الفتوى على علماء أهل هذا البلد لأنهم أدرى بواقع حالهم .
وبناءً على ذلك أيضاً فإن المسائل المتعلقة بالمقاومة في فلسطين أو العراق أو غيرها ، والمسائل التي تنبني على واقع الحال هناك، أوالمسائل التي يعلم المفتي يقينا أن لها خصوصية ببلد معين، أو الفتاوى التي تتعلق بالمسلمين الذين يعيشون في بلاد غير إسلامية أو غير ذلك من المسائل المشابهة ينبغي ألا يفتي فيها غير علماء أهل هذه البلاد، وعلى المفتي إذا سئل عن مثل هذه المسائل وهو ليس من أهل بلد النازلة أو المسألة أن يُفهم السائل أن الإفتاء في هذه المسائل ليس من اختصاصه وأن عليه أن يراجع العلماء في هذا البلد. ويعتبر هذا الضابط من المسائل التي يتفق عليها جل العلماء والمشايخ من أهل العلم والإفتاء.
من جهة أخرى على المفتي أن يأخذ كل حذره في أن يأتي في مسألة بقول لم يسبقه إليه أحد، وذلك لأن الأمة لا تجتمع كلها على الخطأ، بل لابد أن يكون في كل زمان من يصيب الحق، فإذا جاء في هذا الزمان إنسان بقول جديد لم يسبق إليه في مسألة معروفة من قبل فكأنه يدعي أن السابقين كلهم قد أخطؤوا الحق فيها وأصابه هو وهذا بعيد جداً،. ولذلك على المفتي أن يحذر من ذلك تمام الحذر.
وبالنظر إلى فتاوى بعض أهل هذا الزمان تجد العجب العجاب مما هو على هذا المنوال .قال الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، : «إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام» .
وقال ابن هانئ : سألت أبا عبد الله عن الذي جاء في الحديث «أجرؤكم على الفتوى أجرؤكم على النار» قال أبو عبد الله، رحمه الله، : «يفتي بما لم يسمع”.

عبد الواحد كنفاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق