خاص

فضيحة تنصت على الهواتف تعري علاقة الإعلام بالسياسة

إمبراطور الإعلام روبرت مردوخ يجر وراءه رجال الأمن والسياسة إلى الحضيض

كان إعلان روبيرت مردوخ، إمبراطور الإعلام، ورئيس شركة «نيوز إنترناشونال»، مالكة صحيفة «نيوز أوف ذي وورلد»، إغلاق الصحيفة بعد صدور العدد الأخير، الأحد قبل الماضي، صدمة كبيرة في الأوساط الصحافية والسياسية على حد سواء، وكانت لها تبعات خطيرة جدا بعد أن أنهت مسيرة واحدة من أقدم الصحف البريطانية وأوسعها انتشاراً، بسبب فضائح التنصت على الهواتف

الخلوية من قبل الصحيفة والجدل الواسع حولها.
إلى جانب إسقاطها رؤوسا كبيرة وتتهدد رئيس الوزراء البريطاني نفسه. فمردوخ ليس رجلا عاديا، و»نيوز أوف ذي وورلد» صحيفة عريقة ظهرت للمرة
الأولى قبل 168 سنة، ويتابع أكثر من 2.5 مليون قارئ عددها الأسبوعي الذي كان يصدر الأحد من كل أسبوع.

في خضم هذه الزوبعة الكبيرة، واجه ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني، يوم أمس (الأربعاء)، استجوابا أمام البرلمان بشأن قراره توظيف رئيس تحرير سابق لإحدى الصحف تورط فى فضيحة تنصت على الهواتف هزت المؤسسة البريطانية.وأجبرت الفضيحة التى تركزت حول «نيوز كورب» التى يملكها قطب الإعلام روبرت مردوك مسؤولين تنفيذيين كبار فى الشركة على الاستقالة إلى جانب اثنين من كبار رجال الشرطة فى بريطانيا، وتسببت فى زيادة انتقادات المعارضة على قدرة كاميرون على الحكم على الأمور.
وقدم مردوخ البالغ من العمر 80 عاما اعتذاره أمام لجنة برلمانية أول أمس (الثلاثاء)، لكنه رفض الاستقالة. وقال إن العاملين الذين «خانوه» هم المخطئون.
وفجرت الصحف البريطانية فضيحة مردوخ المرتبطة بالتنصت على الهواتف التي أدت إلى اعتقال الرئيس التنفيذي لشركة «نيوز انترناشيونال»، ربيكا بروكس.

قضية ميلي دولر
تقول صحيفة «الغارديان» إن «نيوز أوف ذي ورلد» وظفت في العام 2002 عددا من المخبرين الخاصين، بينهم التحري الخاص غلين ميلكر ، لجمع معلومات حول اختفاء ميلي دولر وهي مراهقة في 13 من العمر.
ونجحت المجلة في الحصول على رقم هاتف الفتاة ورقم عائلتها، كما نجحت في الدخول إلى علبة رسائلها الصوتية والاستماع وتسجيل ما تركه لها أهلها ورفاقها من رسائل تعبر عن قلقهم وتدعو ميلي إلى الاتصال بهم لطمأنتهم.
وتضيف «الغارديان» وبعد أيام قليلة امتلأت العلبة ولم تعد تتسع لرسائل جديدة فقامت «نيوز أوف ذي ورلد» بحذف الرسائل القديمة ما أدى إلى التشويش على تحقيق رجال الشرطة وتلف أدلة في غاية الأهمية. كما أن قرصنة علبة رسائل ميلي دفع أهلها إلى الاعتقاد بأن ابنتهم ما زالت على قيد الحياة وكل هذا طمعا من «نيوز أوف ذي ورلد» بالحصول «على معلومات جديدة» بحسب اتهام «الغارديان». ففي حالات الاختطاف التي تليها تصفيات جسدية للضحايا يترك المعتدون غالبا رسائل هاتفية لضحاياهم لإخفاء جرائمهم، وتعتبر هذه الرسائل مؤشرات يؤثر إتلافها بشكل خطير على مجريات التحقيق.
وبحسب وسائل الإعلام البريطانية قد تدفع معلومات «الغارديان» الشرطة البريطانية إلى إعادة النظر بعدة ملفات مرتبطة باختفاء أطفال بينها قضية مادلين ماكين طفلة في الرابعة من العمر اختفت في البرتغال في العام 2007.

اعتداءات لندن
القضية الثانية التي كشف عنها تخص مرة أخرى المتحري الخاص غلين ميلكر، الذي تتهمه الشرطة البريطانية بالعمل لصالح «نيوز أوف ذي ورلد» بعد اعتداءات لندن في السابع من يوليوز 2005 والتنصت على هواتف عائلات ضحايا الاعتداءات.
وتشير «الغارديان» أن قسم الشرطة المتخصص بمكافحة القرصنة اتصل أخيرا بوالد شاب قتل في اعتداءات لندن ليبلغه بأنهم عثروا على عنوانه ورقم هاتفه في تسجيلات تعود إلى المخبر الخاص غلين ميلكر.
ونقلت «بي بي سي» عن والد الضحية المذكور قوله، «بعد اعتداءات لندن كنت أنا وزوجتي نتصل بالأصدقاء ونتبادل معهم الأحاديث الشخصية، وأن نعرف اليوم أنه كان هناك من يتنصت علينا يجعل الدم يتجمد في عروقي»، ويضيف على «هذه المجلة أن تتحمل مسؤولية فعلتها».

رؤوس أينعت
أطاحت الفضيحة إذن بأعلى مسؤول أمني في بريطانيا، السير بول ستيفنسون، قائد الشرطة البريطانية، وقدم استقالته، الأحد الماضي. وتعرض لانتقادات بسبب تعيينه نيل واليس، رئيس تحرير سابق لصحيفة «نيوز اوف ذا وورلد»، الذي يشتبه في ضلوعه في فضيحة التنصت على الهواتف، مستشارا للشرطة البريطانية «سكوتلانديارد».
ونفى ستيفنسون، في بيان، علمه بمزاعم التنصت على الاتصالات في صحيفة «نيوز أوف ذا وورلد». وأكد أنه قد تصرف على نحو مهني لكنه قال إنه قرر الاستقالة لأن تصاعد التدقيق في هذه القضية سيكون بمثابة عبء على «سكوتلانديارد» وتنتقص من إنجازاته.
وأضاف ستيفنسون الذي تولى المنصب عام 2009، «لقد اتخذت هذا القرار على ضوء التكهنات المستمرة والاتهامات الراهنة التي تربط الشرطة بـ»نيوز انترناشيونال» على مستوى رفيع.»
ووجهت انتقادات للشرطة البريطانية بخصوص مزاعم عن قبول أموال من «نيوز أوف ذا وورلد» وصحف أخرى وعدم اتخاذ إجراءات كافية للتحقيق في مزاعم التنصت على الاتصالات الهاتفية.
وتواصلت تداعيات فضيحة التنصت، مع اعتقال السلطات البريطانية لربيكا بروك، الرئيس التنفيذي السابق لـ»نيوز انترناشيونال»، الذراع البريطانية لـ»نيوز كورب» المملوكة لمردوخ، وكانت استقالت من منصبها على خلفية الفضيحة، ثم أفرج عنها الاثنين الماضي. وذكرت الشرطة البريطانية إن بروكس أفرج عنها بكفالة وستمثل أمام شرطة لندن في أكتوبر المقبل.
وبروكس هي ثامن شخص يجري إيقافه على خلفية التحقيقات القائمة بشأن فضيحة التنصت، والرابع في ما يتعلق بتحقيق آخر حول تقديم رشاو.
وفي البرلمان البريطاني، شن رئيس الوزراء، ديفيد كاميرون، هجوما على مجموعة مردوخ الإعلامية فيما شرع في تحقيق على أعلى المستويات بشأن المزاعم المتعلقة بفضيحة التنصت ورشوة رجال الشرطة.

موت غامض
ووسط هذه الزوبعة عثرت الشرطة البريطانية الاثنين الماضي على شون هوار، المراسل الصحافي السابق في صحيفة «نيوز أوف ذي وورلد» الذي أبلغ صحيفة «نيويورك تايمز» عام 2010 بأن رئيس التحرير آندي كولسون شجعه وآخرين على التجسس على البريد الإلكتروني لعدد من الشخصيات العامة، ميتاً في منزله في واتفورد بهيرتفوردشاير.
ونقلت هذا الخبر وكالة الأنباء البريطانية «بريتيش برس أسوسيشن»، مشيرة إلى أن رجال الشرطة تعاملوا مع وفاته على أنها «غير مفسرة، ولكنها ليست مثيرة للشبهات.» وكان البحث عنه في شقته قد تم بعد ظهور مخاوف بشأن مكان وجوده. ويعتبر هوار واحدا من أوائل الصحافيين الذين تحدثوا علناً عن عمليات التنصت التي تقوم بها «نيوز أوف ذي وورلد.» وواحد من عدد قليل من المصادر التي تم الكشف عن هويتها في قضية التنصت.
وبحسب تصريحات هوار، فقد اتهم في هذا الإجراء على وجه التحديد رئيس التحرير كولسون، الذي أصبح مديراً للاتصال لدى رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون.وأشارت التايمز في حينه إلى هوار باعتباره صديقاً مقرباً من كولسون، وأنهما عملا معاً في صحيفة «الصن».
وكانت الشرطة البريطانية اعتقلت كولسون في ثامن يوليوز، للاشتباه بتورطه في وقائع فساد تتعلق بفضيحة التنصت على هواتف محمولة، والتي قام بها صحافيون ومحققون يعملون لحساب صحيفة «نيوز أوف ذي وورلد»، عندما كان يتولى رئاسة تحريرها.
وجاء اعتقال رئيس التحرير السابق للصحيفة، التي قرر مالكها، الإمبراطور الإعلامي روبرت مردوخ، وقف صدورها، وسط تزايد الضغوط على رئيس الوزراء، الذي يتعرض لانتقادات حادة بسبب قراره تعيينه كولسون، بعد تقاعده من رئاسة تحرير الصحيفة على خلفية اتهامات بتورطه في تلك الفضيحة.
وقبل قليل من الإعلان عن اعتقال كولسون، أصر كاميرون على الدفاع عن قرار تعيينه ضمن فريقه الحكومي، وقال في مؤتمر صحافي بـ»داونينغ ستريت» ، إن «قرار تعيينه كان قراري وحدي»، وتابع أنه منح كولسون «فرصة أخرى»، بعدما تأكد أنه لم يقم بارتكاب أخطاء خلال ترؤسه للصحيفة.

سأكون الأقوى
رغم كل هذا، خرج مردوخ ببيان جديد يقول فيه إن مجموعته ستخرج من فضيحة التنصت على الاتصالات في بريطانيا أقوى.
وقال متوجها إلى العاملين في مجموعته: «أريد أن تعرفوا أنني واثق من أننا سنخرج من الأزمة بمجموعة أقوى».
وأضاف أن «إعادة بناء الثقة ستحتاج إلى وقت»، مؤكدا تصميمه على التجاوب مع تطلعات «المساهمين والمستهلكين والزملاء والشركاء».
وبعد جلسة الاستماع لمردوخ في مجلس العموم البريطاني، ارتفع سعر سهم «نيوز كورب» في بورصة نيويورك. لكن محللين رأوا أن هذا الارتفاع ناجم عن تصحيح تقني.وتابع مردوخ في بيانه «صدمت وشعرت بالاستياء من الادعاءات الأخيرة التي تتعلق بنيوز كورب وأشعر بأسف عميق للضرر الذي حدث».
وأكد الرجل البالغ من العمر 80 عاما «تحملنا مسؤولياتنا. أقود هذه الشركة منذ خمسين عاما وطبعتها دائما بالجرأة. لكنني لم أسمح يوما بسلوك مثل الذي جرى الحديث عنه في الأسابيع الأخيرة». وأضاف أن «هذا الأمر لا مكان له في نيوز كورب».
وتابع أن «هذه الادعاءات الخطيرة بشأن موظفين سابقين في نيوزكورب تتناقض بشكل كامل مع سلوكنا ولا يعكس عمل ومفاهيم معظم موظفينا».

إعداد جمال الخنوسي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض