خاص

بانوراما الصيف:القذافي… نيرون ليبيا (الحلقة الثالثة)

القذافي والزعماء العرب… شد وجذب

انتفض ضد تقبيل يد الحسن الثاني واتهم ولي عهد السعودية بأنه صنيعة بريطانيا

هو حاكم لا يشبه غيره من الحكام العرب، رغم أن القاسم المشترك بينهم يكاد يكون واحدا، هو كثير من تسلط وجبروت، وتاريخ مليء بالدم وفترة حكم طويلة عنوانها الظلم، وشعارها، الطغيان أولا وأخيرا.

وإذا كان قدر الشعوب العربية أن يحكمها الجبابرة، فإن قدر الشعب الليبي كان أشد قسوة، لأنه ظل، ولمدة حوالي 42 سنة، يحاول العيش تحت سطوة حاكم طاغية جبار، ومجنون مريض، اسمه القذافي.
لا يعتبر القذافي نفسه حاكما عاديا. إنه ليس رئيس دولة، ولا هو بملك. إنه “القائد”، “ملك ملوك إفريقيا”، صاحب أطول فترة حكم عرفتها ليبيا منذ أن أصبحت ولاية عثمانية سنة1551، وأقدم حاكم على وجه الأرض.
وحتى في عز “الربيع العربي”، ظل القذافي يشكل الاستثناء. صحيح أنه تمسك بالكرسي بشكل غريب مثلما تمسك به، إلى آخر قطرة دم، جميع من سبقه من الرؤساء العرب المخلوعين والهاربين، إلا أن “صموده” أمام ثورة الشعب كان له شكل خاص جدا.
تمسك القذافي بكرسي الحكم كان مسرحية من نوع الكوميديا السوداء، أضحكت العالم حد البكاء. وفي عز الحرب التي شنها على أبناء شعبه، “زنكة زنكة”، لم يكن الرئيس الليبي يتوانى عن إلقاء خطاباته المثيرة للدهشة والسخرية حد الغثيان، التي كان العالم العربي يتابعها بكثير من الشغف، وينتظرها بغير قليل من اللهفة، حتى يستمتع بآخر “قفشات” صاحب الكتاب الأخضر، الذي فاق حسه الكوميدي العفوي، موهبة أكبر زعماء الإضحاك في العالم كله.
اليوم، يختبئ القذافي في مكان ما من “الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى”، هاربا من قصف قوات “الناتو”، متوعدا الغرب بهزيمة نكراء، في وقت يتنبأ فيه الكثير من المراقبين والمحللين الدوليين بسقوطه خلال مدة وجيزة.
من خلال هذه الحلقات، نستعرض محطات مهمة من حياة العقيد وبعض أفراد أسرته، ونقدم للقراء “بورتريها” مطولا عن حاكم غير عاد، اسمه معمر القذافي… “نيرون” ليبيا.

تميزت علاقة القائد معمر القذافي، مع نظرائه من الرؤساء والملوك العرب، بالشد والجذب. خطابه الحاد وتعليقاته اللاذعة، لم تكن دائما محط قبول ورضى من طرفهم، رغم أنهم كانوا يستقبلونها بالضحك والمرح في بعض الأحيان، والسخرية أحيانا أخرى.
في جميع القمم والمؤتمرات العربية التي كان يحضرها، كان القذافي يشكل الحدث بامتياز. كلمته كانت تثير غضب بعض الزعماء وتضطرهم إلى الانسحاب تماما، لأنهم كانوا يعجزون عن مجاراته مراعاة للبروتوكول والتقاليد الدبلوماسية، إلا فيما ندر، مثلما وقع حين زعم في قمة شرم الشيخ التي انعقدت قبل احتلال العراق، أن الملك فهد، العاهل السعودي، قال له إن بلاده مستعدة للتحالف مع الشيطان ضد العراق، وهو ما استفز ولي العهد آنذاك الأمير عبد الله، فأجابه قائلا “أنت، من جاء بك إلى الحكم؟ لا تتكلم في أشياء ليس لك فيها حظ ولا نصيب. الكذب أمامك والقبر قدامك».
وبعد ست سنوات على ذلك، سيرد القذافي الصاع صاعين للملك عبد الله. كان ذلك أثناء انعقاد إحدى القمم العربية في قطر، حين توجه إليه بالكلام على حين غرة، قائلا «أقول لك بعد ست سنوات، ثبت أنك أنت الذي الكذب وراءك والقبر أمامك، وأنت هو الذي صنعتك بريطانيا وحاميتك أمريكا”، قبل أن يدعوه إلى تبادل الزيارة، حين أضاف «واحتراما للأمة، أعتبر المشكل الشخصي الذي بيني وبينك قد انتهى، وأنا مستعد لزيارتك وأن تزورني»، معلنا بذلك عن نهاية الخلاف بينهما. وقبل أن ينسحب، توجه بالكلام إلى الحضور وقال لهم «أنا قائد أممي، وعميد الحكام العرب، وملك ملوك إفريقيا، وإمام المسلمين… مكانتي العالمية لا تسمح لي بأن أنزل إلى أي مستوى آخر. وشكرا».
أما في أول قمة حضرها بعد مرور 3 أشهر على توليه الحكم، فقد انتفض خلالها غاضبا حين رأى رئيس التشريفات يقبل يد الملك الراحل الحسن الثاني، وقال «هذا مرفوض. هل عادت العبودية؟»، قبل أن يتوجه بالكلام إلى أوفقير، قائلا «هذا مجرم… ومكانه السجن». وهي الواقعة التي رواها الصحافي محمد حسنين هيكل في كتابه «كلام في السياسة»، إذ جاء في مقتطف منه «… كانت تلك أول مرة يشارك فيها القذافي في مؤتمر على مستوى القمة. وصل القادة إلى العاصمة المغربية والأفق غائم وأروقة المؤتمر يشيع فيها نوع من التحسب لمفاجآت، ولم يكن أقلها أن هناك وافدا جديدا على القمة اسمه معمر القذافي (…) جاء مولاي عبد الحفيظ، رئيس الديوان الملكي المغربي، يبلغ الملك الحسن أن القاعة جاهزة. وطبقا للتقاليد في البلاط التشريفي فإن مولاي عبد الحفيظ أخذ يد الملك الممدودة إليه فقبلها. وفوجئ معمر بما رأى، وإذا هو يصيح بأعلى صوته: ما هذا؟ تقبيل أياد؟ عدنا إلى عصر العبودية..لا..لا.. هذا شيء مرفوض.. مرفوض تماما». وجاء في الكتاب نفسه أيضا “ألقى الملك الحسن كلمته الافتتاحية. ثم انتقل الحديث إلى إقرار جدول الأعمال فساد الجلسة شعور بالقلق، لأن معمر تدخل لإبداء ملاحظات، لكنه أثناء ملاحظاته راح يخاطب الملك الحسن بعبارة: يا حسن. كما راح يخاطب الملك فيصل بقوله: يا فيصل. وكتب الملك الحسن بخط يده رسالة من سطر واحد وأرسلها مع أحد مرافقيه إلى حيث يجلس عبد الناصر جاء فيها: فخامة الرئيس.. ألا تساعدنا بالتدخل لوضع ضوابط على تصرفات أخينا الليبي».
يخلق القذافي، في كل قمة يحضرها، حالة من التوتر والترقب، إذ لا أحد يتوقع ما يمكن أن يصدر عن الرجل. فالكل يعرف أنه غريب الأطوار، ولا شيء يمكن أن يوقف «هرطقاته». وكثيرا ما كانت التلفزيونات الرسمية توقف البث عند أي مداخلة للعقيد، تفاديا ل»كل ما من شأنه» خلق المشاكل أو المتاعب.
في إحدى القمم العربية التي انعقدت في الدار البيضاء في نونبر من سنة 1989، هدد القذافي بالمقاطعة إذا حضرت مصر، بسبب توقيعها اتفاقية «كامب ديفيد» للسلام مع إسرائيل. وبصعوبة كبيرة، اقتنع العقيد بالحضور شرط إبعاد مقاعد الوفد الليبي عن نظيره المصري، لكنه، وبمجرد ما التقت عيناه بعيني الرئيس المصري (السابق) حسني مبارك، حتى ضمه بالأحضان. وفي الجلسة الثانية، وصل الرئيسان في سيارة واحدة، وهي الواقعة التي رواها هيكل في كتابه «حرب الخليج الثانية، أوهام القوة والنصر».

نورا الفواري

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق