خاص

بانوراما الصيف: رائد الأغنية الأمازيغية 1

الرايس الحاج بلعيد… سليل “أنون عدو”

يعتبر الفنان الرايس الحاج بلعيد من شعراء ورواد الأغنية الأمازيغية دون منازع، وينسب إليه تأسيسها، واعتبره البعض أباها الروحي وقيدومها، فهو شاعر ومبدع وموسيقي كبير وأحد الرموز التاريخية للمشهد الثقافي والغنائي والفني الأمازيغي عامة،

والسوسي خاصة.
كما اعتبره البعض الآخر فلتة من فلتات التاريخ، ربما لن يجود الزمان بمثلها ثانية، فهو فريد وغير قابل للتقليد، ما زالت مقطوعاته تتداول من جيل إلى آخر داخل الوطن وخارجه، خاصة بأوربا، إذ ما زلنا نرى في كثير من منازل أهل سوس صورة الحاج بلعيد بجانب صورة محمد الخامس تزين جدران بيوتهم.

يتحدر الفنان الرايس الحاج بلعيد من أسرة فقيرة استقرت منذ عدة عقود بدوار يدعى بالأمازيغية “أنون عدو” (بئر عدي) التابع للجماعة القروية “ِوجَّان” التي توجد على بعد 12 كيلومترا شرق تيزنيت. وبهذه البلدة وُلد، غير أنه يصعب معرفة تاريخ ولادته بدقة وكل المعطيات المتوفرة، خاصة في المراجع التاريخية الفرنسية، تفيد أنه وُلد ما بين سنتي 1870 و1875.
عاش الحاج بلعيد طفولة صعبة، إذ مات أبوه، وهو ما زال صغيرا وتكفلت أمه بتربيته، إذ أدخلته المدرسة القرآنية (المسجد)، لكي ينال نصيبه من القراءة وحفظ القرآن والحديث النبوي، وبحكم عوز أسرته بعد وفاة أبيه، اضطرته الظروف المعيشية القاسية لعائلته والحاجة الماسة للأم لإعالة أبنائها الصغار إلى مغادرة الكتاب القرآني، واشتغل مدة غير طويلة بدوار إداوبعقيل راعيا للغنم لدى أحد الفلاحين.
وهكذا قضى الرايس الحاج بلعيد طفولة صعبة، بعيدا عن أجواء اللعب والمرح وسط أقرانه من الأطفال، إذ كان يلجأ من حين إلى آخر إلى مونسه الذي لا يفارقه ألا وهو المزمار أو “العواد”، حيث كان يملأ بأصواته الجميلة فجاج الجبال والسهول ويكسر بواسطته الصمت الرهيب الذي تفرضه أشجار “الأركان” وسط الأحجار السوداء لإداوبعقيل وأنزي، وكانت أنغام نَايِه الرائعة التي تصدر من بين شفتيه بداية تفتق عبقريته وموهبته الفنية رغم حرمانه من حنان الأب، اللهم ما تغدق عليه أمه، رقية بنت علي من حنان وعاطفة حين عودته إلى المنزل.
وفي بلدة تازروالت سيدي احمد أوموسى، تفتقت عبقرية وموهبة الفنان الشاب الرايس بلعيد، وهناك عانق مزماره “العواد” والآلتين الموسيقيتين العزيزتين عليه “لوطار” و”الرباب” (رمز الأغنية الأمازيغية عامة والسوسية خاصة)، حيث تعلم أهم أصول الغناء والعزف وسط بيئة اجتماعية محافظة جدا تتشبث بالقيم الإسلامية والتقاليد السوسية العريقة في الحشمة والوقار، هذه القيم التي تؤثث أبياته الشعرية وقصائده الغنائية.
وحسب بعض المؤرخين وشهادات معاصريه وهي قليلة، فإن مرحلة شباب الرايس بلعيد تميزت بالذكاء والفطنة واللباقة والعفة والقناعة، فلا تستهويه المظاهر الخارجية والمفاتن الوهاجة للحياة بحكم تواضعه. وكان هذا طبع الرايس الحاج بلعيد في تزروالت، قبل أن يغادرها لينضم إلى مجموعة الروايس التي أدى معها مجموعة من القصائد الغنائية بشكل جماعي لفترة قصيرة قبل أن يفك ارتباطه بها كي يؤسس مجموعة خاصة به، كان من أفرادها كل من الرايس مولاي علي الصويري ومحمد بودراع التزروالتي ومبارك بوالحسن، وفتحت له هذه التجربة آفاقا واسعة من الشهرة وسط جميع فئات المجتمع، وربط علاقات اجتماعية مهمة مع ذوي النفوذ من رجال السلطة من أعيان وتجار وفقهاء علماء، فكان مؤنسهم المطلوب الذي يشتاق الجميع إلى رؤيته والاستماع إليه والاستمتاع بغنائه وشعره الفريد.
وبهذا الخصوص، يقول الشاعر محمد مستاوي في كتابه “الرايس الحاج بلعيد” إنه في هذه الأجواء نشأ وترعرع الفنان الرايس الحاج بلعيد، فيضج “ربابه” ويصدح بالغناء لسانه يرسم الأحاسيس والمشاعر التي تنتابه ويصور محيطه تصويرا تتماوج فيه الظلال بالألوان بوعي وذكاء، فكان بحق شاهدا صادقا على عصره ومؤرخا أمينا لأحداثه وقيمه وعواطفه وأفكاره، فكان مثقفا في غزله ووصفه وفي نقده لمساوئ مجتمعه وحكيما في خطابه وواضح الحجة قوي الدليل في العتاب والشكوى صادق القول والدعوى. وحسب مستاوي دائما، كان الرايس الحاج بلعيد عارفا بأصول التراث الفني الأمازيغي السوسي وقواعده، من قصص دينية وعاطفية وأمثال وحكم وأساليب الإلقاء الشعري والغنائي المتوارثة عن شيوخ “مدرسة ترايست” السوسية، وكان بارعا في التلوين الصوتي خفضا ورفعا.
انتقل الرايس الحاج بلعيد إلى الدار الآخرة في نهاية الأربعيمات من القرن الماضي، في ظروف حالكة تسود فيها الأمراض الفتاكة والأوبئة والمجاعة والصراعات السياسية التي سبقت الحرب العالمية الثانية بسنوات قليلة، وترك ابنه الرايس محمد بن بلعيد، كما ترك مدرسة ترايست” في أوج نشاطها وازدهارها.

إبراهيم أكنفار (تيزنيت)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق