خاص

بانوراما الصيف: القضاء في تاريخ المغرب ا5

المحاكم في فترة الحماية

قوة الأمم تقاس بقوة قضائها. كثيرا ما يعرج المؤرخون على القضاء وأشكال تطبيقه، في بحوثهم حول في محاولة لفهم الأمم وتطورها، فالقضاء هو المرآة التي تعكس وجه الشعوب والتطور الذي حققته.
ومع التطور التاريخي الذي شهده المغرب منذ قرون خلت، كان السؤال المطروح دائما هل كان يتمتع بقضاء منظم وفق معايير مضبوطة، أم أنه كان الاحتكام فقط إلى الأعراف والتقاليد، للفصل في النزاعات؟ هل كانت كل المناطق المغربية تحظى بوجود محاكم؟ وغيرها من الأسئلة التي نحاول من خلال هذه الحلقات إيجاد جواب لها بالحديث عن القضاء في المغرب، قبل عهد الحماية وأنواعه، ثم فترة الحماية وما حملته من تغيير للتنظيم القضائي بإحداث محاكم عصرية ومحاولة طمس بعض أنواع القضاء، وفترة الاستقلال. عرف التنظيم القضائي المغربي في عهد الحماية وفرة في النصوص وتنوعا في التشريعات المطبقة، الهدف منها تدعيم وتكثيف سياسة الحماية، وقد بقيت المحاكم كما هي باستثناء المحاكم القنصلية التي حذفت، كما أضيفت إلى التنظيم القضائي المحاكم العصرية، واختصت كل منها في نوع من القضايا، إلا أنها كانت تتقاطع في قضايا معينة رغم أن المستعمر حاول خلق تلك التفرقة للقضاء على بعض أنواع القضاء خاصة منها القضاء العرفي.

المحاكم الشرعية
في هذه المرحلة، قامت سلطات الحماية بإدخال إصلاح عليها، وذلك على مستوى الاختصاص وتعدد الدرجات، فبالنسبة إلى الاختصاص أصبح دور المحاكم الشرعية مقتصرا على قضايا الأحوال الشخصية والميراث بين المسلمين وقضايا العقار غير المحفظ، أي أنها أصبحت مقصورة على النزاعات المغربية.
وبشأن  التعدد قسمت هذه المحاكم إلى درجتين، محاكم قضاة القرى ومحاكم قضاة المدن التي تستأنف أمام وزير العدل بعد أخذه رأي المجلس الأعلى للعلماء الذي عوض في ما بعد بمجلس الاستئناف الشرعي الذي أصبح محكمة درجة ثانية ترفع إليه الاستئنافات المقدمة ضد أحكام المدن وقضاة القرى داخل أجل ستين يوما من تاريخ تبليغ الأحكام.
أما المحاكم العبرية فقد أعيد تنظيمها بمقتضى ظهير 12 ماي 1918، إذ أحدثت درجة ثانية تستأنف فيها أحكام المحاكم الابتدائية المتعلقة بالأحوال الشخصية والميراث لليهود المغاربة، وبقي للمحكمة العبرية العليا بالرباط تلقي الطعون في أحكام المحاكم الابتدائية.

المحاكم المخزنية
حافظت سلطات الحماية على المحاكم المخزنية التي كانت موجودة قبل فرض الحماية، وأعادت تنظيمها بظهير 28 نونبر 1944 الذي بمقتضاه أحدثت المحاكم المخزنية الابتدائية، وأصبحت تنظر في جميع القضايا المدينة والتجارية ماعدا الجنائية التي هي من اختصاص محكمة الباشا أو القائد، وفي 24 أبريل 1954 أنشئت المحاكم الإقليمية في أهم المدن المغربية وفيها تستأنف أحكام المحاكم المخزنية الابتدائية. هذا في الجنوب، أما في الشمال فحافظت السلطات الإسبانية على الاختصاص الذي كان موكولا لهذه المحاكم، وأحدثت بجانبها محكمة عليا مخزنية مقرها بتطوان لمراقبة أحكام المحاكم المخزنية.

المحاكم العرفية
أحدثت المحاكم العرفية بمقتضى ظهير 11 شتنبر 1914 بدعوى احترام التقاليد والأعراف، وأسندت إلى الجماعات القبلية مهمة الدفاع عن مصالحها المحلية استنادا إلى الأعراف، باستثناء الجنايات التي كانت تنظر من طرف المحاكم الفرنسية، ما أدى إلى إبعاد سكان هذه المناطق من الخضوع للمحاكم الشرعية، بل أكثر من ذلك فهذه المحاكم كانت تطبق الأعراف على المغاربة المسلمين حتى في ما يخص قضايا الأحوال الشخصية رغم مخالفة تلك الأعراف لقواعد الشريعة الإسلامية. وقد مارست المحاكم الشرعية سلطة لم يتردد البعض في نعتها بالتشريعية، إذ كانت بدافع من السلطات الفرنسية أو رغبة منها تغير أو تتم بعض القواعد العرفية، ولا تصبح المقتضيات الجديدة سارية المفعول إلا بعد موافقة الحكومة. وكانت تعقد جلساتها ابتدائيا واستئنافيا بحضور أعوان المراقبة من أطر المراقبين المدنيين وضباط الشؤون الأهلية على غرار ما كان معمول به بالمحاكم الأخرى، وكان هؤلاء الأعوان يتصرفون كأسياد لهم سلطة مطلقة ويعمدون إلى أن تكون الأحكام منصفة وبتكلفة غير باهظة. والغاية مانت من قبل الفرنسيين هو العمل على جعل الأمازيغ يبتعدون شيئا فشيئا عن المحاكم الشرعية.

المحاكم العصرية
تأسست بمقتضى ظهير 12 غشت 1913، تتضمن محاكم الصلح، ومحاكم ابتدائية، محاكم استئناف بالرباط، تنظر في جميع القضايا التي تشمل الرعايا الفرنسيين أو التي يكون أحد أطرافها من جنسية أجنبية
أما نقض الأحكام الصادرة عن هذه المحاكم، فقد كان أمر النظر فيها يعود إلى محكمة النقض الفرنسية بباريس.
كريمة مصلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق