fbpx
خاص

عـودة “الدواعـش”… التحـدي الأمنـي

التنظيم يسرح الآلاف والقانون الجنائي المغربي استعد لهم منذ 2015

أعادت تقارير استخباراتية واعتقالات في صفوف مقاتلين لدى «داعش»، إلى الواجهة قضية الهجرة المعاكسة أو العودة للأجانب الملتحقين بالتنظيم، إذ اعتبر تقرير لـ»الأوروبول» في دجنبر الماضي أنهم التحدي الحقيقي للأجهزة الأمنية في 2017. ولأن عددا كبير من أولئك المقاتلين، إما مغاربة أو من أصول مغربية، تكون بلادنا معنية جدا بالظاهرة، وهنا تسلط «الصباح» الضوء على القضية وتقدم قراءة خبير في تفكيك الذكاء الجهادي حول تحدياتها.

إعداد: امحمد خيي

قبيل حلول السنة الجديدة، عاد “كوكيتو”، الجهادي الذي غادر الفنيدق بالشمال إلى الساحة العراقية السورية، وكان يقطع الرؤوس إلى حين مماته، إلى واجهة الأحداث، لمناسبة إعلان إسبانيا، اعتقال السلطات التركية، زوجته المغربية المتحدرة من سبتة المحتلة، أثناء محاولتها العودة، ومعها طفل أنجبته من مقاتل “داعشي” بعد وفاة زوجها الأول.

وتزامنا مع النبأ، الذي يكشف أن العائدين، أسر لها أبناء مولودون في الحرب، كشف عبد الحق الخيام، مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية (بسيج)، أثناء استعراضه حصيلة الجهاز في 2016، أن الأشهر الماضية، شهدت عودة 71 شخصا إلى المغرب، من صفوف تنظيم “داعش” بسوريا-العراق وليبيا.

وتبعا لذلك، تأكدت معلومات استخباراتية، سيما التي صدرت عن الشرطة الأوربية المشتركة (الأوربول)، منذ دجنبر الماضي، وأخرى روسية، نشرتها الوكالة الرسمية “سبوتنيك”، تجمع على أن 2017، ستكون موسم عودة المقاتلين الأجانب لدى “داعش”، إلى بلدانهم، وأغلبهم أوربيون من أصل مغربي.

وتولدت عن تلك الأرقام والمعطيات، أسئلة كثيرة، من قبيل ماهي طبيعة التحولات على الساحة العراقية السورية التي استدعت إنهاء مهام المقاتلين الأجانب لدى “داعش”؟ ماذا تقول التقديرات عن أعدادهم؟ وماهو التحدي الأمني الذي يشكله العائدون، وهل المغرب مستعد، بما فيه الكفاية، لتحييد خطرهم؟

موسم العودة

في دجنبر الماضي، حمل تقرير لوكالة تطبيق القانون الأوربية (الأوروبول)، وهي بمثابة شرطة الاتحاد الأوربي المكلفة بتقديم الدعم للدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي في مجالات مكافحة الجرائم الدولية الكبيرة والإرهاب، معطيات مثيرة، عما اعتبره تغييرات مقبلة في أساليب عمليات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، ستتمظهر في عمليات إرهابية تعتمد أساليب جديدة، من قبيل السيارات المفخخة وتوظيف النساء وتنفيذ حوادث سير وسط التجمعات بالشاحنات.

وفيما لم يستبعد التقرير أن يتغذى ذلك الخطر، بما وصفه بـ”ظاهرة عودة كثير من الجهاديين إلى بلدانهم الأصلية، وهو تهديد يشكل تحديا حقيقيا للأجهزة الأمنية”، قال إن العودة تضاعفت، تحديدا منذ معركة الموصل، أما السبب فهو “الخسائر الميدانية لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام”.

وزكى جيل دو كيرشوف، منسق الاتحاد الأوروبي لقضايا الإرهاب، في تقرير وضعه على طاولة وزراء داخلية الاتحاد الأوربي، المعلومات المذكورة حول عودة “الداعشيين”، وقال فيه  إن “الأرقام الأحدث تشير إلى أنه من إجمالي المقاتلين الأجانب الأوروبيين  لدى داعش، هناك نحو 15 % إلى 20  قتلوا، و30 %  إلى 35 عادوا إلى بلدانهم، و50 % لا يزالون في سوريا والعراق”.

وأيد تقرير لروسيا، التي تشن حربا مدمرة على “داعش” في سوريا، المعلومات الأوربية، إذ أكدت وكالة “سبوتنيك”، في نونبر الماضي، أن أزمة تمويل ومداخيل يعيشها تنظيم “داعش”، جعلته يقوم بتسريح مقاتليه الأوروبيين والمغاربيين والاستغناء عن خدماتهم، بعدما رفضوا تقليص أجورهم، ما يعد بعودة الكثير منهم إلى بلدانهم الأصلية.

وفي تونس، غير بعيد عن المغرب، تشكل عودة “الداعشيين”، موضوع جدل عمومي واحتجاجات في الشارع، وكان من تمظهراته، خروج مئات التونسيين أمام البرلمان بدعوة من “ائتلاف المواطنين التونسيين”، قبل أيام، رفضا لعودة “الداعشيين”.

وخرج المحتجون، عقب تصريحات للباجي قائد السبسي، رئيس الجمهورية، وراشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة الإخوانية، يلمحان فيها إلى فتح باب التوبة أمام التونسيين، الذين يريدون العودة من “داعش”، سيما قول قائد السبسي، إن  “خطورة الجهاديين أصبحت من الماضي، وكثير منهم يريدون العودة، ولا يمكننا منع تونسي من العودة الى بلاده”.

استعداد جنائي

وإذا كانت أزمة “توبة” المقاتلين التونسيين في صفوف “داعش”، تتجه نحو اعتماد نص قانوني يسمح بمعاقبتهم ووضعهم في السجن، يظهر المغرب، أفضل بلد استبق خطر عودة “الداعشيين”، منذ 2014، بتعديلات على قانون الإرهابي، تسمح بسجنهم بمجرد العودة.

وتم ذلك، بطرح تعديلات في مجموعة القانون الجنائي، تم اعتمادها في أبريل 2015، وتجرم الالتحاق أو محاولة الالتحاق ببؤر التوتر العالمية، والانخراط في جماعات إرهابية وتلقي تدريبات، ولو كان الهدف لا يمس مصالح المغرب.

ويقول القانون في صيغته الجديدة، بتجريم “الالتحاق أو محاولة الالتحاق بشكل فردي أو جماعي في إطار منظم أو غير منظم، بكيانات أو تنظيمات أو عصابات أو جماعات إرهابية أيا كان شكلها أو هدفها أو مكان وجودها، ولو كانت الأفعال الإرهابية لا تستهدف الإضرار بالمملكة المغربية أو بمصالحها” .

وفيما يشمل التجريم “تلقي تدريب أو تكوين، كيفما كان شكله أو نوعه أو مدته داخل أو خارج  المملكة المغربية أو محاولة ذلك، بقصد ارتكاب أحد الأفعال الإرهابية داخل المملكة أو خارجها، سواء وقع الفعل المذكور أو لم يقع”، يعاقب على الأفعال المذكورة، “بالسجن من خمس إلى عشر سنوات، وبغرامة تتراوح بين 5.000 و 10.000 درهم”.

وبرر مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات، طرح التعديلات التي جرمت الالتحاق أو محاولة الالتحاق بـ”داعش”، بأن “ظاهرة السفر إلى بؤر التوتر تحت عنوان الجهاد، أصبحت، تتطلب قانونا صريحا وقويا، لأننا أمام عمل إرهابي، ولأن الشخص الذي يسافر إلى بؤر التوتر من أجل ما يعتبره جهادا، قد ينتهي بالعودة إلى الوطن ويمارس فعلا إرهابيا، إذ لا وجود لضمانة لعدم قيامه بعمل إرهابي في المغرب”.

وإذا كان المغرب، قد وجد حلا لتحييد خطر العائدين، بمحاكمتهم ووضعهم وراء القضبان لمدة لا تقل عن خمس سنوات، فإنه حل تستفيد منه حتى بعض الدول الأوربية، التي فضلت اللجوء إلى حل سحب الجنسية من الملتحقين بـ”داعش”، ولأن كثير منهم من أصل مغربي، أي حاملون لجنسية مزودجة، يتم ترحيلهم إلى الرباط.

ومع ذلك، يرى متخصصون أكاديميون أن السجن، ليس كافيا، إذ قال إبراهيم الصافي، الباحث في العلوم السياسية وشؤون الإرهاب، ومؤلف كتاب “الذكاء الجهادي، وآليات تفكيك هندسة الإرهاب”، لـ”الصباح” (أنظر الحوار)، إن “المقاربة الأمنية في التعامل مع العائدين، تبقى غير كافية لتجنب خطرهم”.

ويأتي ذلك، لأن “السجن أحيانا يعتبر فرصة لترويج الفكر الإرهابي ونشر إيديولوجيات العنف والكراهية، ومكانا محبذ للاستقطاب”، وبالتالي “من واجب السلطات مواكبة العقوبات الزجرية بالرعاية النفسية والاجتماعية، لأن الفكر المتطرف، مهما كان متشددا، يبقى مع ذلك هشا ومؤقتا، وبالتالي فرص العلاج لاجتثاث الأفكار المتطرفة متاحة وممكنة”.

بوكس:

1*****

ليبيا… الغرفة الجديدة للعمليات

أبرزت الشرطة الأوربية (الأوروبول)، في تقريرها الصادر في دجنبر الماضي، اعتقادها بأن ليبيا ستكون القاعدة الخلفية الجديدة للهجمات الإرهابية التي تتربص بأوربا وشمال إفريقيا، فبعد الهزائم المتوالية وفقدان النفوذ في العراق وسوريا، صارت “داعش”، تركز جهودها على التوسع في ليبيا، وتراهن على سواحل البلد منطلقا لرحلات الذئاب المنفردة إلى أوربا، بالاختفاء وسط جموع اللاجئين نحو إيطاليا واليونان.

2****

يتحدرون من 63 مدينة  مغربية

أظهرت معطيات لمرکز مکافحة الإرهاب التابع للأكاديمية العسكرية الأمريكية حول مغاربة “داعش”، بعد تحليل “وثائق سينجار”، وهي قاعدة البيانات لـ” تنظيم القاعدة في العراق” استولت عليها قوات التحالف الدولي في مدينة سنجار العراقية قرب الحدود السورية، كثيرا من الفروق بين مغاربة “القاعدة” ومغاربة “داعش”.

وفي هذا الصدد تشير المعطيات التي نشرها المركز منتصف دجنبر الماضي، أنه في الوقت الذي كان لا يتجاوز فيه مغاربة “القاعدة” 36 جهاديا يتحدرون من أربع مدن، ضاعف “داعش” أعدادهم بنسبة 606 %، واستقطبهم من  63 مدينة مغربية، أبرزها البيضاء وطنجة وتطوان وفاس وبني ملال.

****

3 أسئلة

الصافي*: المقاربة الأمنية غير كافية

  • حذرت تقارير أمنية أوربية في الفترة الأخيرة من خطر عودة “الداعشيين”، فكيف يمكن فهم ذلك وما هو حجم الخطر؟

اليوم نحن أمام العودة الاضطرارية للمقاتلين في صفوف التنظيمات الإرهابية في كل من سوريا والعراق، إلى بلدانهم الأصلية، وعلى الخصوص المغاربة الذي يتجاوز عددهم 2000 مقاتل، على خلاف السابق، حيث كانت العودة في الغالب اختيارية وبناء على إرادة المقاتلين فرارا من جحيم تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

وتعزى هذه العودة الجبرية إلى سببين رئيسيين؛ الأول هو انحسار الملاذات الآمنة للجهاديين في سوريا والعراق وتقلص جيوب مناطق السيطرة التي كانت تؤمن حياة الإرهاب، حيث أصبح المقاتلون أمام خيارات صعبة، إما مواجهة الموت المؤكد أو الهروب للنجاة من ضربات العسكرية للقوى الدولية في المنطقة.

والعامل الثاني، وهو الأخطر، ومرتبط بالأول، هو تغيير تنظيم “داعش” لاستراتيجياته القتالية في الآونة الأخيرة، إذ انتقل من إستراتيجية التركيز على التوسع الجغرافي إلى إستراتيجية إعادة الانتشار وإثارة الفوضى وتصدير العنف الدموي خارج مناطق السيطرة، وذلك عبر الزج بعناصره لاستهداف الدولة التي كبدت التنظيم خسائر كبيرة أو وفرضت حصارا على موارده المالية والبشرية، من أجل إجبارها على تخفيف الضغط على ملاذاته الآمنة.

ولأن الإستراتيجية القانونية والأمنية التي نهجها المغرب، أدت إلى تضييق فرص هجرة “المقاتلين المغاربة”، أي ضرب أهم عنصر يقوم عليه التنظيم، فإن المصالح الحساسة والشخصيات العمومية ببلدنا، توجد ضمن أجندة تنظيم “داعش”، والذي ما فتئ يتوعد بشن هجمات إرهابية عنيفة، وبالتالي أصبح الخطر، مع التطورات الجديدة، أقوى من ذي قبل.

  • يبدو المغرب مستعدا لتلك العودة، إذ تم تغيير القانون الجنائي ليضم جريمة جديدة هي الالتحاق أو محاولة الالتحاق ببؤر التوتر، هل تعتقد أن السجن كاف لتحييد خطرهم؟

أدخل المغرب تعديلات جديدة على القانون الجنائي، تهم بالخصوص التجريم الاستباقي لكل محالة للالتحاق بالجماعات الإرهابية في بؤر التوتر، وهكذا تم بناء على هذا التعديل محاكمة 71 شخصا عادوا من ساحات القتال ما بين 2015 و2016، لتفادي خطرهم على المجتمع خاصة وأنهم تلقوا تدريبات شبه عسكرية وتلقين إيديولوجي متطرف، فالسجن آلية ضرورية كمرحلة أولى لمواجهة تدفق “القنابل البشرية” الهاربة من الموت، وهي فرصة للتوبة وللاختلاء بأنفسهم للوقوف على ما كانوا يرتكبونه من فظاعات شنيعة ضد الأبرياء باسم الدين، لكن يجب الوعي بأنه يمكن اعتقال المتطرفين لكن لا يمكن اعتقال الأفكار المتطرفة.

لكن في العموم، تبقى المقاربة الأمنية في التعامل مع العائدين، غير كافية لتجنب الخطر، فالسجن أحيانا يعتبر فرصة لترويج الفكر الإرهابي ونشر إيديولوجيات العنف والكراهية ومكان محبذ للاستقطاب، لهذا من واجب السلطات مواكبة العقوبات الزجرية بالرعاية النفسية والاجتماعية، فالفكر المتطرف، مهما كان متشدّداً، يبقى مع ذلك هشّاً ومؤقّتاً، وبالتالي فرص العلاج لاجتثاث الأفكار المتطرفة متاحة وممكنة.

فإذا كانت مغذيات التطرف والإرهاب دوافع غير مادية، فيجب أيضا مواجهته بآليات غير مادية، فما كان يحرك ويدفع للقيام بالأعمال الإرهابية التي وقعت هو التكفير والفكر المتطرف، الذي يرتبط علاجه بإعادة من لم يتورط منهم في أعمال إرهابية إلى رحاب الأمن الفكري وتوازن الشخصية.

  • اللافت أن الإرهابيين الملتحقين بـ”داعش” يعودون رفقة زوجات وأطفال، فما هي الإشكالية التي يطرحها الأمر؟ وهل سيفرض على الدولة اعتماد خطة ما؟

هناك العديد من الحالات لمقاتلين مغاربة، أقدموا على تهريب أسرهم وأبنائهم إلى مناطق سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية”، وهذه الفئة من العائدين تكون لها مبررات قوية للعودة إلى أرض الوطن، الأمر الذي سيشكل عبئا ثقيلا على المغرب، وبالتالي فالمقاربة الأمنية في التعامل مع هذه الفئة الهشة، غير كافية، ولابد من مقاربة مغايرة، خاصة مع أبنائهم وزوجاتهم، قوامها العلاج النفسي وتنظيف عقولهم مما يزيد عن 5 سنوات الشحن الإيديولوجي المتطرف، ومخلفات المشاهد الدموية المرعبة، وإعادة التوازن الروحي لشخصياتهم الموبوءة، الأمر الذي بات يطرح بالإلحاح على المغرب أن يكون سباقا لتأسيس “مركز لإعادة إدماج العائدين من بؤر التوتر الإرهابية”.

فأغلب الذين التحقوا بمعسكرات الإرهاب أجبروا أسرهم على الهجرة إلى أرض “الخلافة” المزعومة، وبالتالي لا يمكن معاقبة أسر بجرم ارتكبه غيرها، وهنا يجب تأويل النصوص القانونية لصالح هذه الفئة.

أجرى الحوار: ا.خ

*: إبراهيم الصافي، باحث في الحركات الجهادية، ومؤلف كتاب “الذكاء الجهادي وتفكيك آليات هندسة الإرهاب”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى