fbpx
ملف الصباح

معلم .. آه يا زمان

لا يعرف الملل والضجر والعياء، ليس من كثرة التدريس وتحصيل العلم، بل من جلوسه الدائم بالمقهى والانشغال بالكلمات المسهمة.

هو أستاذ، كما يناديه النادل. حين يسمعها المعلم يتبرم، فهو حريص على نسيان مهنته في لحظات الفراغ الطويلة، بل تجده منخرطا في نقاش طويل مع العاطلين أو “سماسرة” السيارات، متجاهلا زملاءه في المدرسة.

عبد الهادي، لا يمكن أن تراه في حياته إلا والابتسامة تعلو محياه،  فهو حلو الحديث، وغزير المعارف، وعميق التحليل، وهو مفكر، حسب زبناء المقهى، ملأ صيته أصقاع الحي، واشتهر اسمه بين أجيال من التلاميذ، لكنه الآن شبه عاطل، يختلق “الأزمات” لتفادي الذهاب إلى مقر عمله، حتى أنه اشتهر بكثرة غيابه بسبب الأمراض “الوهمية”.

مرة جلس بجانبه تلميذ سابق، واعترف أمامه أنه لن ينساه، فقد تعلم منه الشغف بالعلم والاغتراف من مناهله، والمواظبة على القراءة، وقول سديد الرأي… حينها تأفف المعلم، واختار الرد على تلميذه السابق بكلمة لخصت التحول في حياته:”ذا كان زمان يا ابني”.

يعترف عبد الهادي أن سبب تحوله الكبير من مرب إلى معلم ينتظر فقط سن التقاعد، بفقدان الأمل، وعادة ما يردد قائلا:” في زماننا كان التعليم مهنة سامية، نحظى بالاحترام والتبجيل، ونشعر بالأمل في مستقبل باهر.. أما الآن فها أنت ترى ما يحدث من “بهدلة المعلم”.

لا يخفي عبد الهادي إحساسه بالمرارة، فيواجهها باللامبالاة :”لا أبالي بالتدريس، حاليا، وكم من مرة فكرت في مغادرة هذه المهنة التي لم تجلب لي إلا الفقر والإهانة في آخر أيامي”، يقول وهو يتصفح جريدة وطنية، قبل أن يقلب صفحاتها بحثا عن الكلمات المسهمة.

خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى