مجتمع

الـقامـرة.. مـحـج المـتـشـرديـن

قاصرون وشباب وشيوخ جعلوا من المحطة الطرقية بالرباط مركز إيواء وفرصة البحث عن عمل

عشرات المتشردين يقصدون المحطة الطرقية القامرة بالرباط من كل حدب وصوب، يتهافتون عليها للبحث عن حياة أفضل، بعدما فقدوا وسطا أسريا يعيد الدفىء إليهم، الشيء الذي لا يتأتى لهم دائما، ذلك أن المتشردين يشكلون “لوبيات” للحصول على فرص بقاء داخل المحطة الطرقية القامرة، ومسنون يدخلون على الخط الى جانب القاصرين واليافعين في غياب جمعيات مدنية  تحميهم من “غدر الزمان”.
مصطفى متشرد من بين العشرات من القاصرين والشباب، جعلته الأقدار ينزل، مثل العديد من أقرنائه، الى المحطة الطرقية بالرباط. يجلس مصطفى بجانب جدار المحطة وهو يتأمل دخول وخروج مئات الحافلات،  التي تصل إلى آلاف المسافرين من كل الاتجاهات، ينتظرهم مصطفى بفارغ الصبر لحمل أمتعتهم الى وجهات أخرى أو مساعدة سائقين في “سخرة” مقابل بعض الدريهمات، فيما يتربص أطفال آخرون لاصطياد مثل هذه الفرص، ما يؤدي إلى شجارات في ما بينهم سيما مع اقتراب الحافلات من الوصول الى المحطة.

كل الطرق تؤدي الى القامرة  

عند اقترابك من أبواب المحطة الطرقية القامرة، ومدخل شارع الكفاح بالرباط، يفاجئك عشرات المتشردين يتحدثون بلهجات مختلفة،  قدموا  من مدن مغربية بعيدة عن العاصمة الإدارية، بعدما فقدوا ثقتهم في جو أسري يحميهم من قساوة البرد في فصل الشتاء وحرارة الشمس في فصل الصيف.
مصطفى الذي صمم على “الهجرة” إلى المحطة الطرقية القامرة بالرباط، كان يعيش حياة مزرية في إحدى القرى بضواحي مدينة سيدي سليمان. يحكي مصطفى وهو يتحسر على ضياع والدته التي توفيت سنتين بعد ولادته، فيما تزوج والده مرة أخرى، ليجعله يواجه مشاكل داخل أسرته، ولم يتبق له من حل سوى مغادرة القرية التي يتحدر منها. يقول “ففكرت أن أهاجر إلى مدينة الرباط للبحث عن حياة أحسن”، لكن حالته تظهر جليا أن تكسر أحلامه على صخرة الواقع.
حكاية مصطفى تشبه حالات الكثير من أقرنائه، الذين وجدوا من المحطة الطرقية بالعاصمة ملجأهم الوحيد ومركز ايواء يحميهم ويوفر لهم حياة أفضل، كما يعتقدون بعدما تجاهلهم أسرهم وذويهم، إذ يتردد على هذه المحطة في بعض الأحيان متشردون من جهات قد تبعد عن الرباط بأكثر من 500 كيلومتر.يقول مستخدم بالمحطة الطرقية القامرة “تجد أجناسا مختلفة من شرق المملكة وغربها يتوافدون بصفة مستمرة على هذه المحطة”، والسبب برأي المتحدث ذاته الانطباع الذي يخلفه هؤلاء بحصولهم على حياة أحسن وأسهل، “الشيء الذي يرفع نسبة الوافدين الجدد على المحطة”.

رحلة مجهولة المصير

يلفت نظر زائر مدينة الرباط، قاصرون متشردون ينامون فوق علب كرتونية، وآخرون جعلوا من الكراسي المهترئة لحافلات رابضة بالمحطة مكانا يؤويهم حتى طلوع النهار، كراسي بعض الحافلات المعطلة، يتهافت عليها العشرات من المتشردين ويسيطر عليها الأقوياء منهم، بينما آخرون يلجؤون إلى النوم قرب محطات البينزين أو أمام مطاعم المحطة، إلى ساعات متقدمة من النهار.
أحمد واحد من المتشردين الذين يتربصون بالحافلات، قصد الحصول على فرصة مبيت. “تنحضيو أصحاب الكيران، تيمشيوا وتنعسوا فيها”،  يقول مشيرا إلى أن فرصة مبيت آمن ليس من السهل الحصول عليها داخل هذه الأمكنة، فمراقبو الحافلات وحراس المحطة يمنعونهم من صعود الحافلات المتوقفة.
وأمام حظر التجول الذي يفرضه مراقبون بالمحطة الطرقية على المتشردين والمتسكعين، يبقى أحمد من الذين يتحينون الفرصة للحصول على المبيت فوق كراسي مهترئة حتى طلوع الشمس.

متشردون.. مستخدمون في المحطة

أمام الاكتظاظ الذي تعرفه المحطة الطرقية، باعتبارها قلبا نابضا للمسافرين الوافدين والمغادرين للرباط، تجد بعض المتشردين من الشباب والقاصرين  يكافحون للحصول على فرصة عمل تساعدهم على تحصيل لقمة عيشهم.
أحمد واحد من هؤلاء المتشردين، الذي استطاع تأمين عمل في المحطة الطرقية، التي أصبحت محج مئات المتشردين والمتسكعين المغاربة. يقول “عندما ينادي علي بعض السائقين لبيع تذكرة أكون في الموعد”،  فهذه واحدة من المهمات التي يضطلع بها أحمد في سبيل حصوله على مصروف يومه، الذي قد يصل إلى حوالي 50 درهما.
لم يقتصر دور أحمد على مثل العمل، بل تنتظره مهمات أخرى، فهو رهن إشارة أصحاب مطاعم ودكاكين في شارع الكفاح، وداخل المحطة الطرقية، حينما ينادي هؤلاء عليه لقضاء بعض أغراضهم بمقابل مادي، تجده يتقن عمله لوضع ثقتهم فيه، مقابل منحهم إياه وجبة أكل أو حصوله على قدر معين من المال.

لوبيات من المتشردين

يلاحظ في أول وهلة بالمحطة الطرقية القامرة، تحرك عناصر من المتشردين بطريقة منتظمة أمام وخلف محطة المسافرين، وهو تنظيم يشبه إلى حد كبير شبكات منتظمة في ما بينها. وتتحد شبكة المتشردين لإبعاد كل اعتداء يطول واحدا منهم جراء المشاحنات التي قد تحدث، فتجد بالمحطة متشردين يحكمون قبضتهم في القامرة ويستعرضون قواهم وعضلاتهم أمام زملائهم.يتحدث أحد العاملين بالمحطة الطرقية ل “الصباح”، “هذه “اللوبيات” تجد نفسها مضطرة إلى المواجهة بكل الطرق حينما يتم الاعتداء على واحد منهم، وتتطور المشاجرات في بعض الأحيان إلى إصابات تصل إلى حد الخطورة جراء استعمال شفرات الحلاقة وغيرها من الأسلحة التي يلجأ إليها المتشردون في مواجهة خصومهم”.
ويقول مصطفى، من جهته، إنه غالبا ما يتم الاتحاد بين المتشردين الذين يتحدرون من المنطقة نفسها، إذ تجمعهم خصوصيات مشتركة تدفعهم الى الاستقواء ببعضهم البعض.

مسنون يحذون حذو القاصرين

المحطة الطرقية القامرة ليست حكرا فقط على اليافعين والقاصرين، الذين يقصدونها من مناطق شتى بالمغرب، بل حتى المسنون يترددون بين الفينة والأخرى عليها للبحث عن فرص حياة أفضل.
مسنون متشردون جعلوا من المحطة مصدر رزق وحيد يعيلون به أنفسهم من أكل وشرب وتدخين… وتجد العشرات منهم يختبئون تحت أغطية متسخة طلبا لساعات من الراحة. ويقول مستخدم بالمحطة الطرقية إن فئة المسنين قليلة، وغالبا ما تعاني أمراضا مزمنة، على رأسها الزهايمر.أما الفتيات المتشردات فتختفين من المحطة، ويقول محدثنا “النساء قليلات هنا”، ويعتبر المتحدث ذاته أن سر هذا الاختفاء ليس مرده عدم وجودهن كمتشردات، بل سمعة القامرة التي ترفض غير المتشردين الذكور.

الجمعيات التنموية … الغائب الأكبر

رغم ارتفاع عدد الجمعيات في المغرب، الذي أصبح يقدر بعشرات الآلاف، تبقى هذه الجمعيات الغائب الأكبر في إيواء القاصرين المتشردين، فرغم الشعارات التي يتبناها المجتمع المدني في البلاد، ورغم وجود مؤسسات شريكة في العملية التنموية يبقى العشرات من المتشردين في محطة القامرة وغيرها بعيدين عن كل المقاربات التنموية التي تهدف الى حماية هذه الفئات من جبروت الاستغلال بكل أنواعه.أحمد ومصطفى متشردان بالمحطة الطرقية القامرة لم يجدا طيلة إقامتهما مخاطبا من قبل المجتمع المدني، وحالتهما تشبه حالة العشرات من القاصرين الذين يغزون المحطة الطرقية شهريا بعدما صدت في وجههم كل السبل للعيش في مجتمع يوفر لهم أبسط شروط  الكرامة الانسانية .
مصدر جمعوي  بالرباط، أوضح في حديث “للصباح” أن إنشاء مراكز إيواء القاصرين يتطلب شراكات بمبالغ مالية مرتفعة تصل الى ملايين الدراهم، ويصعب على الجمعيات التنموية اقناع الفاعلين كالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو وزارة التمنية الاجتماية والتضامن، وغيرها من الشركاء الفاعلين في الحقل الجمعوي بالبلاد.
عبد الحليم لعريبي (الرباط)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق