fbpx
خاص

منقبة أخرت تفجير مطعم أركانة

إعادة تمثيل الجريمة أوضحت أن المتهم استرجع أنفاسه بالكتبية وتردد قبل مغادرة أركانة ونفذ التفجير من محطة للوقود

شاب في مقتبل العمر، يعتمر قبعة يواري بها شعره الكثيف المنسدل على أكتافه، ويغطي عينيه بنظارتين سوداويين، وينتعل حذاء رياضيا أبيض اللون، ويلبس سروالا عسكريا مزركشا، فيما وضع “جاكيط”
بيضاء مرقطة بالأزرق، يحمل على ظهره حقيبة رياضية، وفي يده اليسرى قيتارة محشوة في غشاء أسود.لم يكن الشاب، من

عشاق “الهيب هوب” أو “الميتال” أو “الكونتري ميوزيك”،
لكنه كان الإرهابي الذي اختار أن يتقمص هذهالشخصيات للتمويه، وينفذ واحدة من أبشع جرائم الإيذاء العمدي التي اهتز لها الشارع المراكشي
والمغربي عموما، مخلفة أثقل حصيلة اعتداء إرهابي منذ سنة 2003.

اختار الشاب أن يخترق أجواء الاستمتاع بجمال مراكش، ليسرق جمالية مناظر ساحتها البهيجة التي تبدو من شرفة مطعم أركانة في أبهى الصور. فكيف جاء إلى المدينة، وكيف نفذ الجريمة، وماذا فعل بعد أن تحققت رغبته الشيطانية؟ تلكم تفاصيل ننقلها من مسرح الجريمة الممتد على مساحة كبيرة وسبع محطات بالمدينة الحمراء.

محطة القطار.. نقطة الإنطلاق
كانت الانطلاقة من محطة القطار بحي جيليز، حيث نزلت القوات الأمنية المعززة بوحدات خاصة للتدخل ووحدات من الأمن الخاص، يسبقها الوكيل العام لدى استئنافية مراكش، عبد الإله المستاري، بحضور رئيس الفرقة الوطنية للشرطة القضائية وشخصيات أمنية.
تم تشخيص الطريقة التي دخل بها عادل العثماني إلى حي جيليز، قادما قادما عبر القطار من آسفي مرورا باليوسفية، ثم توقف في محطة ابن جرير لتغيير القطار، حيث استقل القطار القادم من البيضاء والمتجه إلى مراكش.

من محطة القطار إلى الكتبية
وصول المتهم كان في حوالي الساعة الثامنة صباحا، وهي الساعة التي انطلقت فيها مشاهد إعادة تمثيل الجريمة. يخرج من فضاء محطة القطار الأنيقة عبر بوابتها الواسعة، ليتجه إلى رصيف الشارع حيث استقل أول سيارة أجرة توقفت له، ليتحدث إلى سائقها، ويملي عليه وجهته، “جامع لفنا”. لم يمانع سائق سيارة الأجرة أو تنتابه شكوك في الزبون الراكب في المقعد الخلفي، بل اعتقد أنه من الشباب المتعلق بالغرب أو المتعطش إلى ركوب مغامرات المراهقين، وتوجه به إلى القرب من مسجد الكتبية، حيث المكان الذي ينزل به عادة المتوجهون إلى الساحة الشهيرة عالميا.
أدى واجب الركوب، ونزل من السيارة، إلا أنه لم يتوجه مباشرة عبر شارع محمد الخامس، حيث تتراص العربات المجرورة بالخيل “الكواتشا”، بل اتجه نحو ساحة جامع الكتبية، واختار مكانا بالحديقة المحادية لبناية صغيرة بيضاء اللون فوقها “قبة”، وهي عبارة عن ضريح، وجلس هناك، بعد أن وضع القيتارة على الأرض، والحقيبة أمامه.
في هذه المحطة، استرجع أنفاسه، وأخذ وقته الكافي لمراجعة خطته ومعاينة العبوتين الناسفتين، وأيضا الهاتف المحمول المركب بهما. تأكد من أن كل شيء على ما يرام، والتفت يمينا، ليرى امرأة أجنبية تنظر إليه، فاحتار في أمرها، ولم يدر هل كانت معجبة بالشكل الذي كان عليه أم أنها كانت تراقب تحضيره للقنبلتين اللتين كان يستطلع أحوالهما، قبل أن ينهض من مكانه، ويكمل المسير نحو الهدف الذي خطط له سلفا، أي قبل سنة.

التوجه نحو أركانة
سار المشتبه فيه عادل العثماني كأنه مزهو بشبابه يحمل دائما حقيبته الرياضية على كتفه، وفي يده القيتارة التي تزيح عنه أي شبهة. مر من أمام عربات الكوتشي، وأكمل المسير ليمر من أمام مقر الشرطة القضائية التي لا تبعد كثيرا عن مقهى أركانة، قبل أن يصل إليه.
كان المتهم عادل العثماني أثناء إعادته تمثيل الجريمة، يروي بتلقائية للوكيل العام وعناصر الضابطة القضائية التفاصيل التي يتذكرها جيدا، فصور الأمكنة مازالت مرسومة في ذهنه، بل حتى الشخصيات التي صادفها وانتبه إليها مازال يتذكر ملامحها، إذ أن الأسئلة المركزة للوكيل العام والموجهة إلى المتهم كانت تلقى إجابة سريعة وتلقائية.
تجاوز المتهم الحلايقية، ولم تشده أي حلقة منها للفرجة، فهو قدم إلى هذه الساحة لغرض واحد وليس للاستمتاع. أكمل طريقه وتجاوز باعة منتوجات الصناعة التقليدية، التي لم تشد نظره، بل كان مقهى أركانة الجهة الوحيدة التي شدته. ولج الباب الرئيسي لهذا المقهى الذي يشبه في هندسته مسرحا يونانيا، إذ تشكل شرفاته الجزء الذي تتكون منه كراسي المتفرجين، فيما الساحة تعتبر الخشبة التي تجري بها مختلف العروض الفنية والبهلوانية.

حيرة قبل وضع “الألغام”
التفاصيل المثيرة التي رواها المتهم أثناء استنطاقه من قبل الوكيل العام وسط ركام بقايا التدمير الذي شهده المقهى بطابقه الأول، أبانت نوايا الإرهابي وتخطيطه وعدوانيته نحو الأجانب، ولو أنهم لم يرتكبوا في حقه أي جرم، بل إنهم في حكم عابر السبيل، وجبت ضيافتهم شرعا والاعتناء بهم.
جلس عادل العثماني في المكان نفسه الذي اختاره يوم 28 أبريل الماضي تاريخ التفجير الإرهابي، وانطلق في استرجاع شريط المشاهد التي كان يحركها خلسة، موهما أنه شاب متفتح على الغرب، فيما كان هدفه قتل من ينتمون إليه، حسب ملخص الاستنطاق الذي أجري له في مسرح الجريمة.

عصير.. فهلالية ثم قهوة
وقف النادل أمامه وسأله عن طلبه، ليجيب أنه يريد عصير ليمون بارد، استدار النادل إلى الخلف، ثم اختفى، قبل أن يظهر من جديد بابتسامته المعهودة يلبي حاجيات الزبائن، ليضع العصير أمام عادل العثماني وينصرف لإتمام باقي الطلبيات.
كان عادل في تلك الأثناء قد وضع القيتارة على الكرسي الموجود في الجانب الأمامي له، وهو بهذا السلوك كان يريد دائما الظهور بمظهر عاشق الآلة، ليضفي على الباروكة، التي ينسدل منها الشعر على كتفه ويخفي جزءها العلوي بقبعته الدائرية، وصمة الانتماء إلى نوع معين من عشاق هذه الآلة الموسيقية، كما اختار أن يضع الحقيبة المحملة بالقنبلتين أسفل المائدة حتى يواريها عن الأنظار، ويخفي نواياه الحقيقية ولكي لا تثير شكوك من يجلسون حوله أو من يعملون بالمطعم.
أكمل عادل العثماني شرب عصير الليمون البارد، وارتبك، إذ لم يقو على ترك المكان للتوجه إلى النقطة التي حددها لتفجير الحقيبة عن بعد، تردد قليلا، ثم نادى النادل من جديد يطلب منه مده بهلالية، وكأنه يريد ربح مزيد من الوقت، أو أنه لاحظ أن ساعة التنفيذ لم تصل بعد، وهي المعلومات التي سيدلي بها فيما بعد.
حضر النادل من جديد ومعه الهلالية التي طلبها عادل العثماني. التهمها، وهو يسترق النظرات إلى الأجانب الذين يجلسون في المقهى ويعدهم، كما يقارن بين عدد المغاربة والأجانب الذين يجلسون ساعتها في أركانة.
انتبه إلى أنه أطال الجلوس في المقهى، فحاول التمويه من جديد بطلب فنجان من القهوة والحليب، الذي يطلق عليه المغاربة “نص نص”. استجاب النادل من جديد إلى طلب الزبون وأحضر إليه كوب “نص نص”، ثم انصرف لإتمام مهمته بتسلم واجبات المشروبات أو الاستجابة إلى طلبات جديدة.
لم يضع عادل العثماني السكر في الكوب، كما لم يحرك الملعقة في داخله، بل تركه كما وضع، ثم نهض من مكانه، ليقتفي أثر النادل، وهو يضع يده اليمنى في جيبه، سائلا عن الواجب الذي سيدفعه. تسلم منه النادل المبلغ وأعاد له الباقي، ليدخل معه في حوار قصير، سأل خلاله عادل النادل إن كان ممكنا أن يترك قيتارته وحقيبته في المقهى إلى حين مهاتفة صديقته لتلتحق به في المقهى. طمأنه النادل أن لا خوف على أمتعته، وأن لا ينزعج، فشكره عادل العثماني ووعده أنه لن يتأخر!

منقبة أخرت في التنفيذ
تردد العثماني في الإسراع بالنزول من الطابق الأول للمقهى وتفجير العبوتين الناسفتين عن بعد، لم يكن بدافع العدول الإرادي أو ملاحظته لأطفال في المقهى أو مغاربة من أبناء جنسه، وتخوفه أن يطولهم إيذاءه الإرهابي، بل كان لدافع واحد، إذ أنه عندما شرب كوب العصير، انتبه إلى وجود منقبة وزوجها دخلت للتو إلى المقهى، فلم يرد أن يسجل عليه أن عمليته أتت على منقبة، فانتظر إلى أن غادرت المقهى، وهو ما يفسر ارتباكه وتردده في المغادرة، إلى حين خروج المنقبة، دون أن ينتبه إلى أن عمله الإرهابي حصد أرواح أبرياء وقتل أناسا بغير حق لا حرب معلنة بينه وبينهم، إذ اختار الغدر طريقا لتلبية نزوات شاذة يعانيها في دواخله.
كانت أسئلة الوكيل العام مدققة عن التفاصيل التي سبقت خروجه من المقهى، فاستوقفه بسؤال آخر عن النادل الذي وافق على ترك الأمتعة، وإن كان ما يزال يتذكر صورته، ليجيب عادل العثماني بتلقائيته الدائمة بنعم.
نادت عناصر الضابطة على نادل يعمل بالمقهى حضر أطوار تمثيل الجريمة بها، وواجهت به المتهم، إلا أنه نفى أن يكون المعني بالأمر، ليطلب الوكيل العام توفير صور النوادل لعرضها على المتهم ومعرفة المعني بالأمر.
ربما قد يكون النادل الذي لقي مصرعه، وهو النادل الذي قد يكون اعتقد أن الذي كان يقف أمامه مسالما ومهادنا، وما قيتارته إلا دليل على روح فنية تجتمع فيها أوصاف السلام.

التفجير عن بعد من محطة وقود
عندما خرج عادل العثماني من المقهى، لم يعد من الطريق نفسها التي سلكها في البدء، إذ عرج من الجهة الأخرى مرورا بباعة العصير وبمحاداة مكتب البريد وصولا إلى محطة الوقود شال قرب عرصة البيلك، إذ في هذا المكان الذي بمقدور كل واحد منه أن يرى مقهى أركانة، رصد المتهم هدفه، ثم أخذ هاتفه المحمول ونفذ العملية، ليسمع دوي الانفجار، ويرى زوبعة الدخان المتصاعد، ثم قصد سيارة أجرة صغيرة لتبعده عن المكان، لكن هذه المرة دون أن يحمل القيتارة.
طلب من السائق أن يحمله إلى القرب من محطة المسافرين بباب دكالة لينزل عند مدارتها التي تتوسطها حديقة كبيرة وكثيفة الأشجار.

حلاقة وتخلص من الباروكة
التخلص من الباروكة وتغيير الملامح، لم يتم في مكان واحد، إذ منذ خروج المتهم من منزله بآسفي، وهو يخطط ويغير، وعندما أنهى تنفيذ الجريمة اختار الحديقة المقابلة لمحطة المسافرين، وجلس في مكان آمن بها، وازيح الباروكة، ليخفيها في داخل ثيابه، ثم دلف إلى المحطة القريبة منه.
لم يتجه مباشرة إلى الحافلة، بل عرج على المراحيض حيث حلق ذقنه، قبل أن يأخذ الحافلة المتوجهة نحو آسفي.
انتهت أطوار تمثيل الجريمة في الجزء المخصص بمسرحها وفضاءاتها بمراكش، وغادرت سيارات الشرطة والسيارة التي تقل المتهم إلى وجهة غير معلومة، في انتظار تفاصيل انتهاء البحث التمهيدي وإعادة تمثيل أطوار الفضاءات الأخرى بآسفي حيث كانت الانطلاقة.

المصطفى صفر (موفد الصباح إلى مراكش)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى