fbpx
مجتمع

شـوارع الـبـيـضـاء تـخـتـنـق فـي انـتـظـار التـرامـواي

أن تقود سيارتك بشوارع الدار البيضاء، فذاك يعني أنك تتمتع بصحة جسدية ونفسية تفوق أمهر السائقين العالميين، أما إن اخترت التنزه صباحا، فذاك ضرب من الخيال، فالمدينة بلغت أقصى درجات الاكتظاظ وشوارعها حلبة يومية لحوادث السير لا تنفع معها أشد مدونات السير صرامة.
لحسن حظ المسؤولين بالعاصمة الاقتصادية، أن سكان الدار بيضاء مسالمون جدا، إذ يتقاتلون، يوميا، من أجل الوصول إلى منازلهم أو مقار عملهم، دون أن يرفعوا أصواتهم احتجاجا، أو ربما بحت حناجرهم من كثرة الصراخ في الشوارع من أجل العثور على موقف للسيارات أو في انتظار إشارة ضوئية معطلة أو أصيبوا بداء الربو من كثرة استنشاقهم للهواء الملوث.
الساعة تشير إلى السابعة والنصف صباحا، ولا شيء يدل على أن هذا اليوم استثنائي بالنسبة إلى السائقين، إلا من برنامج إذاعي يعد السائقين بالتخلص من الاكتظاظ بعد إنجاز «الترامواي» ونصائح لهم بتجنب بعض الشوارع لشدة الاختناق بها وأخرى تحث الآباء على تجنب ركن السيارات في الأماكن الممنوعة.. تعليمات تذهب سدى أمام سباق سائقي سيارات الأجرة للفوز ببعض الزبائن الذين يبدون غير آبهين بالأشغال الجارية بالشارع وحولته إلى حفر.
كل الشوارع المدينة محاصرة صباحا، والوصول إلى مقر العمل لمسافة لا تتعدى بضع كيلومترات يستغرق ساعات طويلة وسط الزحام وأبواق السيارات الصاخبة، والإشارات الضوئية المعطلة والطرق المقطوعة وسحب الهواء الملوث.. إنها طقوس يومية في مدينة يبدو أن «لعنة» المرور تطبق عليها وتخنق شرايينها إلى حد الموت، فهل «ترامواي» وحده ينقذ قلبها من التوقف؟
الجواب عند المسؤولين الذين يراهنون على الوسيلة الجديدة للإفلات من ورطتهم، علما أن كل الدلائل تشير إلى عكس ذلك، فجل الشوارع تعلن حالة «استنفار» في أوقات الذروة، والطريق السيار أصبح ممرا للسلاحف بالكاد تستطيع سيارة أن تجد لها مكانا فيه، وسكان البرنوصي، مثلا، يفرض عليهم التوجه إلى المحمدية من أجل الوصول إلى حي المعاريف بوسط الدار البيضاء، والسكان القاطنون بالألفة وليساسفة مجبرون على السياقة فوق الأرصفة علهم يصلون إلى شارع محمد الخامس، فكل المحاور الطرقية أصيبت بمرض جعلها ترفض استقبال حافلات النقل والسيارات.
لا يأبه زبناء مقهى، قرب المركب الرياضي محمد الخامس، كثيرا بعامل الزمن، فقد تحولت واجهاتها إلى قاعة عرض لتتبع حركة السير بالشارع بكثير من «المتعة»، فينخرطون، دون سابق معرفة بينهم، في حديث طويل يمتد من أزمة المدينة إلى مسؤولية مجلسها وتهور السائقين وإصرار بعضهم في خرق قانون السير.. فجأة تصدم سيارة أخرى فيخرج السائقان، وتنطلق كلمات تحمل المسؤولية إلى الطرف الآخر وتتوقف حركة السير، ويعلو ضجيج أبواق السيارات، ولا أثر لرجل أمن لفض النزاع التي يتكرر في أكثر من شارع بالمدينة، في حين يحمل شهود عيان كامل المسؤولية إلى مجلس المدينة، فالحفر أصبحت تؤثث الأزقة، وأضحت «ماركة» عالمية لشوارعها.
لم يعد اختناق حركة السير  حكرا على وسط المدينة، بل شمل أحياء أخرى، تشهد اكتظاظا، نتيجة تضاعف الكثافة السكانية، مثل أحياء سيدي البرنوصي، والحي المحمدي، وسيدي عثمان، والطرق المؤدية إلى وسط المدينة بعدما عجز المسؤولون عن التفكير في حلول عملية تستوعب الأعداد الكبيرة من السيارات، في حين تشهد المدارات في أوقات الدخول والخروج من العمل امتحانا عسيرا لرجال الأمن لإثبات كفاءتهم، إذ يكتظ مدار الروداني مع الزرقطوني، وكذا عند ملتقى طريق الجديدة وشارع بئر انزران، والأمر نفسه عند ملتقى شوارع الحسن الثاني والزرقطوني، وعبد المومن، وزنقة مصطفى المعاني، وباقي الأزقة المتفرعة عن هذا المدار… أي في جملة واحدة تتوقف كل الأنشطة بالمدينة.
يتخوف البيضاويون من تبخر «حلم» القضاء على اختناق مدينتهم، رغم وعود «ترامواي»، ففي كل مدن العالم لم تنجح وسيلة وحيدة في التخفيف من الازدحام، بل تتضافر مشاريع عديدة مثل إنجاز القناطر وتعبيد الطرق وطمر الحفر وإعادة هيكلة الشوارع من أجل تجنب تحول المدن إلى مقابر لحرب الطرقات.
خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق