fbpx
بانوراما

بن بلة: بركة علمني النضال

المغاربة في أوراق أول رئيس جزائري

مات أحمد بن بلة، أول رئيس جزائري بعد الاستقلال، في 11 أبريل 2012، وفي حلقه غصة حكي لم يكتمل عن تاريخ ووقائع وأحداث كان صانعها وشاهدها و”شهيدها” على مدى 70 سنة. رحل وطويت معه حقائق تجنب الحديث عنها طيلة حياته، منها علاقتــــــــــــه المتفردة والخالصة بالشعب المغربي وملكيه الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني.
في مذكراته وأوراقه وحواراته الصحافية وكتاباته وبوحه، ظل للمغاربة حضور قوي في سيرة حكيم الجزائر، وحرص على سرد علاقاته الوطيدة به منذ صغره، إذ تربى في كنف أسرة هاجرت من مراكش واستقرت في قرية تابعة لمغنية، القريبة من الحدود المغربية، وصادف أن خاض أول حرب حقيقية له إلى جانب جنود مغاربة قاسمهم الخبز والدموع في جبال نابولي، وحين انتهت “حملة إيطاليا” لم يعد إلى الجزائر، بل عاد إلى وجدة، حيث استقر لشهور.
إعداد: يوسف الساكت

كان عبد القادر بركة أكبر من بن بلة بعام ويدرس بمدرسة قرآنية، علما أن التيار السائد في تلك الفترة كان في ذلك العهد أكثر قوة في المدارس القرآنية لأن روادها كانوا مسلمين مائة في المائة عكس الواقع في المدارس الفرنسية. يتحدر عبد القادر بركة من مغنية أيضا، ويتذكره بن بلة بأنه إنسان كريم ومخلص بغير حدود وأعطى نفسه جسدا وروحا للقضية الوطنية.
 “هذا الرجل الطاهر ألهمني صداقة عميقة ومارس تأثيرا بعيد المدى في تكويني السياسي. ومع الأسف مات عبد القادر قبل بداية نضالنا الحقيقي، بعد أن جرفه وباء التيفوس الكبير في 1940 وهو في الخامسة والعشرين من عمره. لقد خسرت بعده رفاقا كثيرا كانوا عزيزين على نفسي، لكن فقد أي منهم لم يزلزلني كما زلزلني فقد عبد القادر بركة”.
في 1934، اجتاز بن بلة امتحان البروفي وعرف دون مفاجأة بأنه رسب، وقرر ألا يستأنف الدراسة من جديد. ورغم خطورة هذا الإخفاف على المستوى الشخصي، بدا أن بن بلة لم يتأثر به، لأن النجاح كان سيقوده إلى وظيفة صغيرة في الجهاز الوظيفي الاستعماري، “لكني، شعرت في أعماق أعماقي، من غير أن أكون قادرا عن التعبير عن ذلك بالكلمات، بأن هذا ليس طريقي، وأن نجاحي الشخصي لا يساوي شيئا إزاء تحرير شعب”.
بعد مرحلة تلمسان “الفاشلة”، عاد بن بلة إلى مسقط رأسه بمغنية، حيث وجد بعض الشغل، دون أن يتخلى عن مهمة المساعدة في حقل الأسرة، كما عمل سكرتيرا في الشركة الاحتياطية، بموازاة مواصلته تداريبه الرياضية، إذ كان موهوبا في كرة القدم التي برع فيها وسجل نفسه في التدريب العسكري من غير حماس، كما يقول، لكنه كان يعتقد أن هذه التداريب ستنفعه يوما ما.
في 1937، دعي بن بلة إلى الخدمة العسكرية، وأحيل على فيلق المشاة الجبليين 141 بمارسيليا. كان هذا الفيلق يعسكر في ثكنة القديس شارل غير بعيد عن المحطة التي تحمل الاسم نفسه، وكان يضم جنودا فرنسيين وجزائريين، لكن الضباط كانوا كلهم فرنسيين لا يمارسون التمييز العنصري بين الجنود يقول في مذكراته “بالنسبة إلي، كنت كأنما دخلت إلى عالم جديد. إن حقوقي كإنسان، أصبحت لأول مرة معترف بها، وقبلت عن طيب خاطر الطاعة العسكرية لأنها كانت تطبق على الجميع بالعدل نفسه”.
واكب بن بلة تمارين فصيلة ضباط الصف، ساعدته على ذلك التمارين العسكرية بمغنية، وواظب على ذلك إلى أن حصل، عن استحقاق، على رتبة رقيب في الجيش الفرنسي ووضع تحت إمرته جنود فرنسيون وجزائريون، في وقت واصل التمرين على القيادة.
كان من الممكن أن يسرح من الجيش في 1939، لكن اندلاع الحرب العالمية الثانية أجلت ذلك، إذ احتفظ به وأحيل على المدفعية “دي.سي أ”، دون أن ينسى ولعه بالرياضة، إذ التحق بعدد من الفرق الرياضية بمارسيليا، ولعب كرة القدم، كما شارك في فرقة الألعاب الأولمبية التابعة للمدينة لسنة كاملة.
حضر بن بلة وقائع قصف مارسيليا في يونيو 1940. يحكي أن الهجوم كان مفاجئا ورهيبا وكان مدافع الجيش الفرنسي منصوبة في رصيف الميناء. وفجأة غارت الطائرات الألمانية شتوكا وبصفير مصم غارق للآذان بدأت تطلق النار على الجنود الفرنسيين ومدفعياتهم وعلى السفن الراسية التي أغرق منها الكثير في دقائق معدودة وألحقت بالرصيف أضرارا كثيرة. وكان بن بلة الوحيد الذي صمد في مدفعه، أما رجاله الذين ذعروا من القصف فلاذوا بالفرار.
في اليوم الموالي، قررت القيادة استبدال الجنود الفرنسيين الهاربين بجنود من كورسيكا وانضموا إلى مدفعية بن بلة، وأبلوا البلاء الحسن في التصدي ورد طائرات تشوكا الألمانية التي أسقطوا عددا منها. وبعد هذه المعركة سطع اسم الشاب الجزائري القادم من مغنية، ومنح وسام الحرب.
قال بن بلة “بعد أيام، عندما كان العقيد يعلق الوسام على صدري، وبينما كنت منتصبا أمامه بالسلام العسكري، أحسست بشعور غريب باللاواقعية: أني أحمل بذلة الجيش الفرنسي، وأتلقى وساما فرنسيا، ورغم ذلك لم أشعر بأني فرنسي. وبالتأكيد لم أكن أشعر بأي حرج بالحرب إلى جانب فرنسا..إن معركتنا كانت عادلة، إذ أن الأمر يتعلق بالنضال ضد الفاشية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى