fbpx
بانوراما

فاس.. من هنا كانت البداية

فتح الله المغاري… مسار فنان متكامل

في هذا السفر عبر الذاكرة، تستعيد “الصباح” مع الفنان فتح الله المغاري، محطات من مساره الفني، مستعيدة معه كواليس وإرهاصات ميلاد عشرات الروائع الغنائية التي أغنى بها ريبرتوار الأغنية المغربية كتابة وتلحينا وغناء. هذه الحلقات ليست مجرد بوح ومكاشفة ذاتية، بل تسلط، في الوقت نفسه، الضوء على محطات مفصلية في تاريخ الفن المغربي كان فتح الله المغاري شاهدا عليها وفاعلا فيها.

“صفحة غالية ف حياتي/ مرسومة ف صميم القلب/ كيفاش يمكن نطويها” هكذا تحدث الفنان فتح الله المغاري عبر صوت محمود الإدريسي الذي شدا بهذا المقطع الغنائي في أغنية “محال واش ينساك البال”، التي نظم كلماتها المغاري وأسبغ عليها لحنها الرفيع الراحل عبد القادر الراشدي.
ودون الحديث عن القيمة الرمزية لهذه الأغنية التي تعد نقطة في نهر دافق اسمه “فتح الله المغاري”، ارتوت منه الأغنية المغربية بعشرات النصوص الغنائية والألحان التي جعلت اسمه لا يبارح مكانه ضمن صناع مجد الأغنية المغربية الذي ما زالت الأجيال تعيش على ضفافه، فإن الأغنية ذاتها تتضمن مقاطع أخرى بليغة تصف ببراعة الحالة النفسية للمتذكر وهو يستحضر “صفحات” من حياته قائلا “صفحة نابعة من ذاتي/ مرسومة بصميم القلب/ كيفاش يمكن نطويها؟”.
لا حاجة لفتح الله المغاري في هذه اللحظة ليتساءل عن كيفية “طي الصفحات”، فالمقام الآن هو مقام بسط الصفحات وفتحها، وممارسة لعبة التذكر، ومساءلة الصفحات لتتكلم و”تفاجي لهوال/ وتحلا الدنيا بيها”.
في مساره الفني الممتد لأزيد من نصف قرن، كثيرة هي الصفحات التي تستحق الفتح من قبل فتح الله المغاري، فهذه المسافة الزمنية فيها ولدت الأغنية المغربية العصرية، وكان فيها صاحب “كاس البلار” شاهدا على مخاضات الميلاد وصعوباته، وعاش مع روادها قلق السؤال حول الكيفية التي يجب أن يظهر بها هذا المولود.
ولم تكن الأغنية المغربية لتأخذ الشكل الذي ظهرت به خلال زمن التألق والوهج، لولا تداخل المسارات الشخصية لجيلها المؤسس والأجيال التي جاءت بعده وساهم كل واحد منها في إضافة لبنات خاصة لهذا الصرح الفني.
وفي هذا السياق تأتي أهمية تحريك الذاكرة الفردية لرواد الفن في المغرب، وتوثيق مساراتهم الشخصية، والمؤثرات التي ساهمت في تشكيل وعيهم من أجل فهم صيرورة وانعطافات الأغنية المغربية في تاريخها العام عبر تاريخ أفرادها الذين ساهموا في تشكيلها.
من هذا المنطلق قبل فتح الله المغاري، بصدر رحب، دعوة “الصباح” من أجل النبش معه في ذاكرته وتقليب أوراق من سيرته الشخصية والفنية، ليستعيد معه القراء جانبا من تاريخ فردي لم يكن مفصولا عن السياق العام الذي كان يعيشه مغرب مطلع الأربعينات وهي المرحلة التي رأى فيها صاحب “الصنارة” النور بفاس.
يقول المغاري “لا أعرف بالضبط السنة التي ولدت فيها، لأن والدي لم يكن مهتما بتوثيق تواريخ ميلاد أبنائه، كما كان شأن العديد من المغاربة في تلك الفترة، لكن كل المؤشرات تقول إنني ولدت خلال السنوات الأولى لعقد الأربعينات”.
“خرّج جوج سلكات”

رغم أن ولادته كانت بفاس إلا أن أسرة فتح الله المغاري تتحدر من منطقة “تامصلوحت” بنواحي مراكش، حيث توجد قبيلة الشرفاء الأمغاريين المتصلين بالولي الصالح مولاي إبراهيم “طير لجبال” حفيد عبد الله بنحسين، ويعتز المغاري بانتمائه إلى هذه القبيلة وأهلها بما تختزنه من إرث صوفي ظهر انعكاسه جليا على توجهه الفني الذي ظل موصولا بالعوالم الروحانية و”تامغرابيت”.
نشأ المغاري بدرب “البلاغمة” بفاس الجديد، قبل أن تنتقل أسرته سنوات قليلة بعد ذلك، إلى المدينة العتيقة لفاس، وكان الاستعمار الفرنسي حينها خلق نوعا من التفرقة والتمييز بين هاتين المنطقتين لدرجة أن التنقل بينهما لم يكن بالأمر اليسير .
اختط والد فتح الله المغاري، الذي كان يعمل في قطاع النسيج “تادرازت” قبل أن ينتقل إلى التجارة، لابنه مسارا دراسيا تقليديا، فأدخله المسيد مثل جل أبناء تلك المرحلة، وهناك حفظ فتح الله القرآن و”خرّج جوج سلكات”، والتحق بعدها بالمدارس الحكومية بعد أن تدخل بعض أصدقاء والده ليقنعوا الأخير بضرورة إلحاق ابنه بالتعليم العصري.

عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق