fbpx
خاص

الصوصيص… الطريق إلى السرطان

دراسة الصحة العالمية صنفت النقانق من المسرطنات والإنتاج غير المهيكل مصدر الخطر

رمت منظمة الصحة العالمية حجرا في بركة السلامة الصحية بالمغرب، حين كشفت عن تسبب بعض منتوجات اللحم المحول، المتداولة في السوق على نطاق واسع، في خطر الإصابة بالسرطان، ذلك أن منتوجات “صوصيص” و”كاشير” وغيرها من معجلات اللحوم، التي تحضر من قبل مصانع حديثة، وفضاءات غير مهيكلة، تحوي إضافات ومواد كيميائية ومتبلات، غايتها ضمان اللون والرائحة والطعم الجيد، لغاية تلبية رغبات المستهلك، ولو كان الثمن صحته، علما أن عشرات البحوث توقفت عند هذه الزوائد وارتفاع نسبتها ضمن مكونات المنتوج المصنع، بالتحذير والنهي، لما لها من تداعيات خطيرة على سلامة المستهلك. تناسلت ردود الفعل حول خلاصات دراسة المنظمة الدولية، بالتفاعل الإيجابي من قبل مصالح الصحة في دول العالم، باستثناء وزارة الصحة، والسلبي من قبل لوبي منتجي اللحوم، الذي حضر أسلحته للدفاع عن مصالحه، بدراسات علمية مضادة، تستهدف هدم كل شك حول خطر استهلاك اللحوم.

إنجاز: بدر الدين عتيقي

توصل باحثو المركز الدولي لبحوث السرطان “CIRC”، ووكالة المنظمة الدولية المتخصصة في السرطان، إلى أن استهلاك اللحوم الحمراء واللحوم المصنعة يتسبب بنسبة كبيرة في الإصابة بالسرطان، من خلال دراسة أكدت أن استهلاك 50 غراما من النقانق ومعجلات اللحوم يوميا، يزيد فرص تطوير سرطان القولون والمستقيم بنسبة تصل إلى 18 %، في الوقت الذي لم تجزم هذه الدراسة، حول وجود علاقة سببية مباشرة بين اللحوم الحمراء والسرطان، ذلك أن الأدلة العلمية حول الارتباط تظل محدودة.
وتعرف دراسة منظمة الصحة العالمية اللحوم المصنعة، على أنها اللحوم التي عدلت لزيادة عمرها التخزيني، أو تغيير طعمها، سواء عن طريق تدخينها، أو علاجها، أو تمليحها، أو إضافة المواد الحافظة لها. وهي الإضافات التي يمكن أن تسبب السرطان، ويؤدي تعريض اللحوم إلى درجة حرارة مرتفعة خلال الشواء مثلا إلى تكون مواد كيميائية مسببة لسرطان القولون أو المستقيم.
ووضعت الدراسة اللحوم المصنعة في فئة “البلوتونيوم”والمشروبات الكحولية نفسها، التي تسبب الإصابة بالسرطان بشكل مؤكد، لكن هذا لا يعني أنها بالمستوى نفسه من الخطورة، فتناول شريحة من اللحم لن يكون مضرا مثل التدخين، إذ علق الدكتور كيرت سترايف من منظمة الصحة العالمية، على الأمر قائلا، إنه “بالنسبة إلى المستهلكين، فإن خطورة الإصابة بسرطان المعدة والمستقيم، بسبب تناولهم اللحوم المصنعة تظل ضئيلة، لكن المخاطر تزيد مع كمية اللحوم التي تستهلك».
وفي هذا الشأن، تشير التقديرات إلى أن 34 ألف شخص يتوفون بسبب السرطان سنويا، ويعزى السبب في ذلك إلى الأنظمة الغذائية التي تحتوي على كميات كبيرة من اللحوم المصنعة. وفي المقابل، هناك مليون شخص يتوفون بسبب السرطان الناجم عن التدخين، و600 ألف من السرطان المرتبط بتناول المشروبات الكحولية سنويا، علما أن اللحوم الحمراء تتمتع بقيمة غذائية مهمة، فهي مصدر رئيسي للحديد والزنك وفيتامين “بي 12».

صمت الوردي
لم تستفز خلاصات الدراسة التي أنجزتها منظمة الصحة العالمية حول خطر اللحوم المصنعة، وتسببها بشكل كبير في الإصابة بالسرطان، الحسين الوردي، وزير الصحة، إذ لم يصدر أي بيان أو بلاغ عن الوزارة، تتفاعل فيه مع ما تضمنته الدراسة، من تحذيرات حول خطورة هذه المنتوجات، علما أن المغرب يسجل سنويا 30 ألف إصابة جديدة بالسرطان، ويعاني بشكل كبير في توفير فضاءات العلاج، علما أن سرطان الرئة، يأتي في قائمة السرطانات التي يصاب بها الرجال، بنسبة 22 %، يليه سرطان البروستاتا بنسبة 10 %، وسرطان القولون بنسبة 7.2 %، وهو نوع السرطان المرتبط باستهلاك اللحوم المحولة بشكر كبير.
وأكد الوردي، أكثر من مرة، التزام وزارته بإيلاء الدعم الكامل للنظام الوطني للسلامة الصحية للأغذية لتعزيزه وتطويره، وجعله نظاما متكاملا وفعالا، من خلال تعزيز نظام مراقبة الأمراض المنقولة عن طريق الأغذية، ووضع نظام للتقييم العلمي للمخاطر الغذائية، والمشاركة في تحديث الترسانة القانونية والتنظيمية في مجال سلامة الأغذية، إضافة إلى  تعزيز التنسيق والتعاون مع الشركاء الوطنيين والدوليين، وإخبار وتحسيس المستهلكين والمهنيين حول طرق الوقاية من المخاطر الغذائية، إلا أن هذا الأمر لم يتحقق في التفاعل مع الخلاصات الخطيرة لدراسة منظمة الصحة العالمية حول اللحوم المصنعة.
وتفيد معطيات منظمة الصحة العالمية، أن الأطعمة التي تلوثت بالبكتيريا والفيروسات والطفيليات، أو المواد الكيماوية، تتسبب في أزيد من 200 نوع من الأمراض، تتنوع خطورتها بدءا من الإسهال وحتى السرطان، علما أن هذا الوضع قد يزداد سوءا بسبب الظهور المستمر لمخاطر جديدة تهدد سلامة الأغذية، تنتج أساسا، عن التطور المطرد الذي تعرفه طرق الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، وأيضا التغيرات التي عرفتها أنماط التغذية، وعولمة التبادل التجاري، والتنقلات البشرية.

أحشاء بالملايير
ساهم تغير نمط استهلاك المغاربة للمنتوجات الغذائية، في تركز الطلب على المنتوجات الجاهزة، خصوصا من مصدر حيواني، إذ تمثل منتوجات اللحوم المحولة في هذا الشأن، وجبات سهلة التحضير، وتتمتع بمواصفات الطعم والرائحة واللون المرغوبة، فاستحوذت النقانق أو “صوصيص”و»الكاشير”ومعجلات اللحوم الأخرى، على حصة مهمة من الطلب، علما أن متوسط استهلاك الفرد من هذه المنتوجات يبلغ 1.7 كيلوغرام سنويا، مقابل أزيد من أربعة كيلوغرامات في الدول المجاورة للفرد، و17 كيلوغراما في بعض الدول الأوربية، الأمر يكشف عن فرص تجارية واعدة في السوق، بالنسبة إلى الفاعلين في قطاع تصنيع اللحوم والأحشاء، سواء تعلق الأمر بالمستثمرين في وحدات تصنيع مهيكلة، أو الناشطين في القطاع غير المهيكل، الذي يغطي حيزا  مهما من هذا الطلب، ويدير عمليات تحويل وتصنيع اللحوم في ظل شروط غير صحية.
وتشير الإحصائيات بالنسبة إلى القطاع المهيكل إلى استيراد ما قيمته أربعة ملايير سنتيم من اللحوم والأحشاء، المستخدمة في صناعة النقانق ومعجلات اللحوم، أي حوالي ألف و139 طنا بنهاية السنة الماضية، وهي الكميات المستخدمة من قبل وحدات التصنيع الكبرى للحوم المحولة، التي يخضع أغلبها إلى إشراف المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتوجات الغذائية، وذلك بموجب اعتماد، يفرض مجموعة من المعايير والشروط، إذ يتعين على المنتج أن يثبت مصدر المواد الأولية المستخدمة في الإنتاج، وتسويق المنتوج في مكان مرخص، إضافة إلى احترام العنونة في المنتوج، المحددة في مرسوم يفرض عرض تاريخ انتهاء صلاحية المنتوج ومكوناته، كما يلزم الاعتماد المذكور المنتج، باستقبال جولات تفتيشية لمعاينة سلسلة تصنيع المنتوجات الغذائية، وإعدام غير الصالحة منها للاستهلاك وإتلافها، علما أنه يتم تفتيش الوحدات الإنتاجية المعتمدة أو المرخصة مرتين في السنة على الأقل.

إضافات مسرطنة

إذا كانت دراسة منظمة الصحة العالمية، انطلقت من بحوث علمية لإثبات العلاقة بين اللحوم المصنعة وخطر الإصابة بالسرطان، فإن منتجي اللحم بدورهم، استنفروا الآلة الإعلامية عبر العالم، لنسف أي شكل أثارته الدراسة عند استهلاك اللحوم الخام والمصنعة، يتعلق الأمر برد فعل قوي تبنته أستراليا، أكبر منتج للحوم في العالم، التي يتوقع أن تتضرر صادراتها بسبب الصدى الذي خلفته دراسة المنظمة الدولية، إذ لجأ البلد القارة عبر أجهزته الحكومية المختصة، إلى إخراج دراسات علمية تثبت منافع استهلاك اللحوم في المقابل، إلا أن إمعان النظر في التحذير الجديد بخصوص اللحوم المحولة، يكشف استثناء اللحوم الخام من خطر التسبب في السرطان، لعدم كفاية الأدلة العلمية، والتركيز على اتهام المصنعة في المقابل، الأمر الذي يحيل على مسؤولية الإضافات الكيميائية التي ترافق تصنيع اللحوم، في أي خطر موجب للتحذير.
وفي هذا الشأن، فإن معايير الجودة الخاصة بمنتوجات اللحوم الحمراء المصنعة، مرتبطة بخصائص المنتوج الطبيعية والكيميائية والميكروبيولوجية، من شكل ولون وطعم، وكذا رائحة ونكهة، إذ يجب أن تتوفر في اللحم الخام المستخدم في تحويل اللحوم، مجموعة من الشروط، بأن يكون اللحم مصدره حيوانات سليمة خالية من الأمراض، وكذا علامات الفساد والروائح والمواد الغريبة، إلى جانب عدم احتواء اللحم على أنسجة مخاطية، أو أعضاء الجهاز التناسلي، أو الضرع، أو الرئة، أو المريء، كما يشترط أيضا، أن تكون المواد غير اللحمية، المستخدمة في إعداد المنتوج، مطابقة للمواصفات القياسية الخاصة بكل منها، إضافة إلى مراعاة ظروف النظافة والتعقيم في جميع الأدوات و الأجهزة المستخدمة في تصنيع المنتج، وأن تتم عملية الإنتاج في درجة حرارة مناسبة.
وبما أن القانون رقم 07- 28 المتعلق بالسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، يثبت المسؤولية المباشرة للمنتج عن تسويق المنتوجات الفاسدة، ذلك أن عمليات المراقبة التي يجريها “أونسا” لوحدات التصنيع، مهما كان عددها أو قوة تركيزها، فإنها تظل قاصرة عن حماية المستهلك بشكل كامل، ذلك أن القطاع غير المهيكل يستحوذ على حصة مهمة في مجال تصنيع اللحوم، إلى جانب المهربات من منتوجات اللحوم المحولة، المسوقة في السوق على نطاق واسع، خصوصا خلال فترات ذروة الاستهلاك، ويتعلق الأمر تحديدا، بالنقانق، التي تم تحضيرها من قبل الجزارين ومحلات بيع الوجبات الجاهزة، في خرق للقانون المذكور، إذ لا تخضع عملية التصنيع هنا للمراقبة، وبالتالي يظل الباب مفتوحا أمام التلاعب بنسب الإضافات المشار إليها في المنتوج النهائي، ما يجعل هذه المواد مسرطنة على نحو كبير، خصوصا إذا تمت زيادة نسبة “النتريت”.

معايير الجودة الكيميائية

يتعين على المنتج خلال عملية تصنيع اللحوم، مراعاة مجموعة من الشروط الكيميائية، بداية من النسبة المائوية للرطوبة في المنتوج النهائي، وكذا كمية الماء المسموح بإضافته أثناء عملية التصنيع، إلى جانب النسبة المائوية للبروتين الكلي، والنسبة المائوية للدهون، إضافة إلى كمية ملح الطعام المضافة، وكمية أملاح النترات و النيتريت المضافة، ناهيك عن كمية المواد المحفزة لتكوين اللون الوردي المميز لمنتوجات اللحوم المقددة، بما في ذلك حمض “الأسكوربيك” و”الأيزواسكوربيك” و”الأريثوربيك”.
وإضافة إلى المواد المذكورة، يتعين الالتزام بكمية المواد المساعدة على احتباس الماء في المنتوج، من قبيل أملاح فوسفاط الصوديوم الحامضية والقاعدية، وكذا النسبة المائوية للمواد المالئة، من نشا ودقيق، إضافة إلى النسبة المئوية للمواد الرابطة، من بروتينات نباتية وحليب مجفف، كما يراعي المنتج، استخدام النسبة المئوية لطبقة التغطية ونسبة العناصر المعدنية الملوثة، من زئبق ورصاص وزرنيخ، وكذا نحاس، علما أن هذه المعايير وغيرها، لها حدود يجب ألا تتجاوزها في المنتوج النهائي، إذ أنه في حال تجاوزها يتعرض المنتوج للتلوث، بما يهدد سلامة المستهلك، ويزيد خطر الإصابة بالأمراض السرطانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق