fbpx
الصباح الثـــــــقافـي

المريزق: الاعتقال السياسي منحني فرصة للتأمل للكتاب

مؤلف “مسار في تجربة اليسار” يروي خلفيات تدوين مذكراته

أبى المصطفى المريزق، ابن منطقة غفساي، إلا أن يدون مذكرات اعتقاله السياسي في مؤلف اختار له عنوان “مسار في تجربة اليسار”. نفض المريزق عنه غبار النسيان، ونقب في ذاكرته بدءا من الطفولة إلى أيام الضنك التي قضاها في دهاليز

السجون. بالنسبة إليه، شكل الاعتقال فرصة للتأمل ولمراجعة الذات. في الحوار التالي، فضل المريزق أن يعرج على الخلفيات التي دفعته إلى تدوين مذكراته في جزء أول من “مسار في تجربة اليسار”.

هل ندمت على الأفكار اليسارية التي تبنيتها لأنها كانت سببا في الزج بك في السجن؟
بالعكس، منحتني تجربة الاعتقال فرصة للتأمل في كل ما مضى، كما ساعدتني تجربة المنفى الاختياري بباريس على ركوب مغامرة الكتابة عن الأوضاع المرعبة التي عشتها، وعن الشروط التاريخية والسياقية التي أنتجتها، خصوصا أن تلك الفترة تزامنت مع وجود مجموعة من المنفيين السابقين وعائلات المختطفين مثل عائلة المهدي بن بركة وأخوين بوريكات، وعائلة عبد الغني بوستة وعلي الباز وكريم المسعودي وعبد الله زنيبر وغيرهم. كما تعرفت في الفترة نفسها على معارضين تونسيين وجزائريين.  
وصراحة، ما كان يؤلمني كثيرا، ليس التعذيب الذي كنت أتعرض له، بل عندما أسمع صراخ وأنين رفاقي أثناء التعذيب أو بعد عودتهم من قاعة العمليات، إنها لحظات قاسية يحتاج فيها المرء إلى الصراخ بأعلى صوته ليتجاوز اليأس والقسوة.
إن السجن حطم أشياء كثيرة في حياتي، لكنه مدني بسلاح قوي وزخم كبير لمطاردة اليأس ومواجهة كل الصعاب ومواصلة الكفاح رغم المنعرجات والإحباطات المادية والنفسية. علمني السجن الحنين إلى الحب والبحث عن المعرفة والتعاطف الشديد مع كل من يقاسي ويتعذب، مهما كانت الأسباب. ومكنني من اكتشافات مذهلة.

لكن في الغالب ما يؤدي الاعتقال كذلك إلى مراجعة الذات، كما فعلت أنت؟
بكل صراحة، أقول إن التجربة مكنتني من الانفلات من تدمير الذات وعدم التيه في التفاهات أو التنازل لإرادة الهيمنة والسيطرة، وعدم السماح بالإقصاء وإلغاء الآخر.

أعلنت إصرارا على تحرير مذكرات لاستحضار مرحلة هامة من عمرك، هل هو تحد للنسيان؟
إن الأمر أولا لا يتعلق بالنبش في الذاكرة الفردية والجماعية من أجل المتعة البريئة، أو لتحويل التاريخ إلى صفحات مزعجة، مذكراتي مساهمة واعية لوقف الخوف والحصار حتى لا تسرق منا كل الأدوار ونساعد كل الأبطال على استرجاع مكانتهم في المسرح السياسي والاجتماعي والثقافي.
إننا جميعا في حاجة إليهم، وهي مرحلة أولى قبل الحديث عن من هو القاتل ومن هو الضحية، ومن يحمل السيف ومن يحمل الوردة، ومن هو المنتصر ومن هو المنهزم.
فبالنيابة عنا، ساهم عدد من الزعماء والنشطاء والمناضلين في صناعة الأحداث والوقائع، ولم نكن في أي وقت نحول برامجهم وشعاراتهم وتضحياتهم إلى «كليشيهات». كنا وما زلنا نحفظ عن ظهر قلب كلام فولتير الذي قال «إنني لا أتفق معك في كل ما تقوله، لكنني مستعد للموت دفاعا عن حقك في أن تقول رأيك»، هذا يجسد معاني التسامح الذي يجب أن يكون جوهرا، وأي كلام حر لسياسة اجتماعية حكيمة يعنى بقضايا الشعب والجماهير. طبعا، ليس الدفاع عن الكلام هو الذي يمكنه أن يولد العنف أو الدفاع عن كلام يؤسس لوجود ما بطرق غير مشروعة.

بالنظر إلى تجربتك في السجن ومسارك التعليمي في الخارج، وبعد الإفراج عنك والعودة إلى الوطن، هل من متغيرات تحضر في ذهنك بقوة؟
صحيح أن العالم اليوم يعيش أزمة حادة. هذا يؤكد إلى حد ما أطروحات ماركس (في شبابه وشيخوخته) في رؤيته للعالم ولمجتمع عصره، حين يعتبر أن الإنسان محروم من كيانه وفي حالة مستمرة من البحث عن الخلاص. هناك تطور اقتصادي وتكنولوجي وثقافي مازال لم يقل اسمه بعد. ومجتمع الحداثة وما بعد الصناعي مازال يبحث عن الأهلية الإدراكية للجواب على الحساسية الحادة تجاه القيم والمبادئ المشتركة التي لم تعد تعتمد فقط على «الشرعية الدينية والتاريخية والإيديولوجية» أيا كان مصدرها. إن ما تتجه إليه الأمور اليوم هو تأسيس ممارسة سياسية جديدة قوامها عنصر الانجاز.
إن إضفاء المثالية على الغايات منهجية يسودها نوع من الالتباس. الحقيقة هي تلك التي يساهم فيه الفيلسوف واللاهوتي والمثقف والفنان والسياسي والشباب والشيب وجموع الملهمين. إن أي مشارك اليوم في عملية التغيير، لا يمكنه أن يتجاوز «قواعد الحوار» ذات الطبيعة الأخلاقية أكثر من الطبيعة الابستمولوجية المحضة. إن عدد حاملي الشهادات والمهنيين يتزايد اليوم في كل البقاع رغم التوزيع غير العادل بين مختلف الفئات الاجتماعية، لكن الثورة التكنولوجية والمعلوميات وتحرير المعلومة و»سوق الأفكار» يوحد بين الجميع.
إن ميزة الكتابة حول ما جرى بالأمس، مساهمة في  تحرير الطاقات والخروج من جراح الماضي أقوياء، حتى تسنى لنا المساهمة في مغرب الغد بعيدا عن أي تقديس أسطوري أو حسنات هذا أو ذاك، دون الاستهانة بحجم التضحيات التي أهلتنا جميعا لنكون جيلا جديدا له كلمته، إلى جانب جيل المؤسسين والقادة التاريخيين. الواقع اليوم يحتاج إلى الجيل الجديد من المناضلين الشباب وإلى أولئك الذين عاشوا تجربة مسارات الحركة في الماضي، واستثمار التجارب التاريخية للتأثير في الميولات الجديدة الراهنة، لأن التاريخ هو الآخر أفق للمستقبل.

أجرت الحوار: نادية البوكيلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق