وطنية

رأي: لا أمن إلا بعدل القضاء ولا عدل إلا بشهامة القضاة

صناع الفساد يوجدون في مراكز محمية أخرى وليس داخل المحاكم ووزارة العدل

لا أمن لنا إلا بعدل قضائنا، ولا عدل لنا إلا بشهامة قضاتنا، ولا قوة لقضاتنا إلا باحترام كرامتهم وهيبتهم ومواقعهم.
وبقدر حبنا لقضائنا بقدر إجلالنا لقضاتنا، فهم منبع قوتنا وفي إضعافهم إضعافنا بل هلاكنا وطنا ومواطنين، حاضرا ومستقبلا.
تقول العرب إن العز في نواصي الخيل، وأقول إن العز في أحكام وأقلام القضاة والمسؤولين القضائيين، كانوا في المحاكم أو مراكز القرار، كانوا مشرفين على حقوقنا بالمحاكم أو مكلفين بمصالحها بإدارة العدل.
ومن فرط اعتزازنا بقضائنا وقضاتنا لا نخجل من الحديث معهم من خلال التعرض لأحكامهم واجتهاداتهم ومواقفهم وعطائهم وأخطائهم وسلبياتهم، ففضل المرء أن تعد معايبه، ويكفي قضاتنا فضلا أنهم قريبون من العين، لأن القريب من العين قريب من القلب، كما يقول المثل. أقول هذا بعد أن قرأت ما كتب  بإحدى الصحف اليومية قبل أسبوع، في حق مسؤولين قضاة نعتوا باللصوص ومصاصي الدماء وناهبي الملايير شكلوا عصابة خطيرة تروم تقويض الحكم والانقضاض عليه. وقلت في نفسي إن كان وزير العدل، النقيب محمد الناصري، يعرف هذه العصابة ويتستر عليها فهو، في لغة القانون والمسطرة، عضو ومشارك فيها. وإن كان يجهل وجودها ولا علم له بها، فإنه عندها يكون «عبيطا» تنقصه الفطنة والذكاء؟؟
يقيني أن النقيب الوزير ليس هذا ولا ذاك، ومن يشتغل معه ليسوا عصابة ولا فريق موت، ويقيني أن العصابات واللوبيات توجد في مواقع أخرى، ويقيني أن اللصوص واللوبيات وصناع الفساد ومن يريد الذل للوطن وللمواطنين، هم في مراكز محمية أخرى – وليس داخل المحاكم وداخل وزارة العدل- يمارسون عقدهم ونزواتهم ضد المغرب من مراكز القوة والمال والنفوذ، وأما القضاة ومسؤولون من القضاء، فإن عيبهم هو أنهم يعرفون أن صدور الأحرار قبور الأسرار، وأن من حسن الكلام حفظ اللسان، يعملون في صمت، ويتحملون في صمت وتشنق أعناقهم في صمت ويعذبون في صمت. ويقيني في النهاية أنه ليس هناك قيد على الحرية سوى حرمات الناس وحياتهم الخاصة. وليس على الصحافة رقيب سوى رقابة الضمير المهني.
والنقد مقبول والعتاب مشروع للقضاة وغيرهم، والاحتجاج والمساءلة بصورها السوسيو ثقافية والقانونية سلطة يتمتع بها الرأي العام الإنساني وليس المغربي فحسب تجاه كل من يتولى قدرا من الصلاحيات أو المسؤوليات العامة حتى ولو كان ملكا أو وزيرا، ولو كان قاضيا أو كل المسؤولين من القضاة، لأن القضاة ليسوا ملائكة من نور، أو أنبياء معصومين.
والسب ممنوع، والقذف تهمة، والاتهام رذيلة، وقرينة البراءة لا تستباح إلا بإثبات الذنب والجريمة، والجريمة لا تقوم إلا في محاكمة، والمحاكمة لا تنتهي إلا بحكم قطعي قاطع لكل شك، والأولى أن يتمتع بكل فضائل القانون القضاة، كل القضاة.
إن للدهر أياما تجور وتعدل، ومن القضاة ومسؤولي القضاء من يجور ومنهم من يعدل، ولما نطعن في أدائهم وأحكامهم وممارسة مسؤولياتهم ووظيفتهم، فلأننا نخشى عليهم من تداعيات عواقب انحراف أو ضعف قرارات ومبادرات، ولكننا لا نسلخ جلودهم، ولا ندنس شرفهم، ولا ندمي قلوبهم ولا نشرد عيالهم وآباءهم، ولا ننتقم منهم ولا ندفعهم إلى المحرقة.
إن من يملك سلطة القلم والإعلام يملك كل شيء، بما في ذلك سلطة الظلم، وأرسطو سبق أن قال إن أكبر ظلم يأتي من الأيدي التي تقبض على سلاح، وفولتير في قولته الشهيرة يعلمنا أن تبرئة متهم خير من إدانة بريء، وزرقاء اليمامة عند الحكماء هي بعد النظر وعمق البصيرة، والصحافة والقضاء ذروة السلطة في المجتمع فإن زاغت إحداهما قضي على الأخرى.
إن كل واحد منا يحمل قسطا من العدل، وكلنا ملزمون بنشر العدل الذي نحمله، قبل أن نطلب من الآخرين مدنا بالعدل.
فطوبى لكم أيها الشرفاء من القضاة ومن مسؤولي القضاء، وطوبى لكل من يقاوم من أجل إصلاح القضاء ومن يقاوم من يسيء إلى القضاء.

النقيب عبد الرحيم الجامعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق