أخبار 24/24

“أراني أعصر خمرا”.. عمل أدبي وتشكيلي يحتفي بالذاكرة المغربية

يشكل التفاعل بين الأدب والفن التشكيلي أحد أبرز تجليات الإبداع المعاصر، حيث لم يعد النص الأدبي منفصلا عن مكوناته البصرية، بل أصبح الغلاف نفسه مدخلا أساسيا لفهم العمل واستكشاف عوالمه الرمزية. وفي هذا السياق، تبرز مجموعة “أراني أعصر خمرا” للأديب المغربي هشام زيزان بوصفها تجربة إبداعية تجمع بين السرد والتشكيل، من خلال غلاف أبدعه الفنان التشكيلي محمد الهواري، ليؤسس منذ الوهلة الأولى لحوار جمالي بين الكلمة واللون.

ويقدم الغلاف، الذي يحمل بصمة الهواري، قراءة بصرية موازية للنصوص، حيث يتحول إلى ما يشبه “النص الموازي” الذي يضيء مضامين العمل ويوجه أفق التأويل. وبهذا المعنى، لا يقتصر دوره على الجانب الجمالي، بل يصبح عنصرا أساسيا في بناء الدلالة، في انسجام مع المشروع السردي الذي يشتغل على استحضار الذاكرة المغربية وتحويلها إلى مادة فنية قابلة للتأويل.

ويعد محمد الهواري من أبرز الفنانين التشكيليين الذين جعلوا من الإنسان المغربي البسيط محورا لتجاربهم الإبداعية، إذ تستحضر أعماله تفاصيل الحياة اليومية والرموز الشعبية والذاكرة الجماعية، محولا إياها إلى لوحات تنبض بالهوية والانتماء. ولا تبدو أعماله مجرد نقل بصري للواقع، بل نصوصا تشكيلية مفتوحة على قراءات متعددة، تستدعي المتلقي للمشاركة في إنتاج المعنى.

وتجسد اللوحة المختارة لغلاف “أراني أعصر خمرا” هذا التوجه، إذ تتوسطها شخصيتان بلباس تقليدي تنحنيان على كتاب مفتوح، بينما تتصدر المشهد أدوات الكتابة وصندوق خشبي يحمل دلالات الذاكرة والأرشيف الثقافي. ويحتل الكتاب مركز اللوحة باعتباره رمزا للمعرفة المتوارثة، في حين توحي العلاقة بين الشخصيتين باستمرار انتقال المعرفة بين الأجيال، بما يجعل الثقافة الرابط الذي يجمع الماضي بالحاضر.

كما تعزز الألوان الترابية التي تهيمن على الغلاف هذا البعد الرمزي، إذ تستحضر الأرض والجذور والهوية المغربية، وتمنح المشهد امتدادا زمنيا يربط الشخصيات بمحيطها الثقافي والتاريخي.

أما عنوان المجموعة، “أراني أعصر خمرا”، فيحمل بدوره حمولة رمزية تستلهم الرؤيا الواردة في قصة النبي يوسف عليه السلام، غير أن الكاتب يعيد توظيفها بوصفها استعارة لفعل الكتابة والإبداع. فالعصر هنا لا يتعلق بتحويل العنب إلى خمر، بل بتحويل التجارب الإنسانية والذاكرة الجماعية إلى نصوص تنبض بالمعنى والرؤية، ليغدو الكاتب أشبه بمن يستخرج من تفاصيل الحياة اليومية عصارة التجربة الإنسانية.

وتكشف محكيات هشام زيزان عن مشروع سردي يتجاوز حدود الحكاية التقليدية، ليقدم أرشيفا أدبيا للذاكرة المغربية، مستلهما فضاءات المواسم والزوايا والأضرحة والعادات الشعبية، ليس باعتبارها عناصر فولكلورية، وإنما بوصفها مكونات ثقافية تعكس رؤية المجتمع للعالم وعلاقته بالمقدس والهوية.

وتقترب هذه النصوص من المقاربة الأنثروبولوجية في اهتمامها بتوثيق المعتقدات والعادات والتمثلات الجماعية، لكنها تتجاوز الجانب التوثيقي إلى إعادة إنتاج هذه المادة في قالب أدبي مشبع بالشاعرية والرمزية، بما يمنحها أبعاداً إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان.

كما تحضر القرية المغربية في هذه المحكيات باعتبارها فضاء للذاكرة والانتماء، حيث تتحول الأمكنة إلى شخصيات فاعلة داخل السرد، بينما تستمد الشخصيات وجودها من الذاكرة الشفوية التي ظلت على مدى قرون حافظة للتاريخ الثقافي والاجتماعي للمغاربة.

وتتميز لغة هشام زيزان بكثافة شعرية تجعل التفاصيل اليومية تتجاوز واقعيتها المباشرة، لتتحول إلى صور واستعارات مفتوحة على التأويل، وهو ما يفسر الانسجام الكبير بينها وبين العالم التشكيلي لمحمد الهواري، الذي يحول بدوره المشاهد اليومية إلى لوحات تحمل أبعاداً رمزية وإنسانية.

ويقدم هذا العمل، في النهاية، نموذجا لتكامل الأدب والفن التشكيلي في خدمة الذاكرة الثقافية المغربية، حيث يلتقي قلم هشام زيزان بريشة محمد الهواري في مشروع إبداعي واحد، يسعى إلى صون الموروث المغربي من النسيان وإعادة إنتاجه بلغة فنية معاصرة. وبذلك، لا تبدو “أراني أعصر خمرا” مجرد مجموعة محكيات، بل تجربة ثقافية وجمالية تؤكد أن الإبداع الحقيقي قادر على تحويل الذاكرة إلى طاقة متجددة، تستنطق الماضي وتضيء الحاضر وتفتح آفاق المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

انت تستخدم إضافة تمنع الإعلانات

نود أن نشكركم على زيارتكم لموقعنا. لكننا نود أيضًا تقديم تجربة مميزة ومثيرة لكم. لكن يبدو أن مانع الإعلانات الذي تستخدمونه يعيقنا في تقديم أفضل ما لدينا.