وكلاء لوائح مهددون بالعزل والمثول أمام محاكم جرائم الأموال مع اقتراب الموعد الحاسم للاستحقاقات التشريعية المقبلة، وبدء العد التنازلي لحدث سياسي بارز من شأنه إفراز هندسة حكومية جديدة، تعيش الساحة السياسية والانتخابية على وقع ترقب مشوب بالكثير من الحذر والارتباك. هذا المناخ المتوتر جاء نتيجة التحركات المتسارعة لآليات وزارة الداخلية، التي لم تكتف بمتابعة الشأن الجاري، حيث نبشت في أرشيفات الإدارة الترابية وأخرجت ملفات ثقيلة، بالتزامن مع صياغة تقارير جديدة أنجزتها المفتشية العامة للإدارة الترابية. هذه التقارير، التي توصف بالصادمة، توثق لخروقات تدبيرية ومالية واضحة، ولا تقتصر تداعياتها على الشق الإداري الصرف، إذ تتعداه لتفتح الباب على مصراعيه أمام متابعات قضائية معقدة، ستجد طريقها قريبا إلى ردهات محاكم جرائم الأموال. إن السيف المسلط، اليوم، على رقاب العديد من رؤساء المجالس الجماعية والإقليمية والمنتخبين الكبار هو "شبح العزل". هذا الإجراء الإداري والقضائي الصارم لم يعد مجرد تهديد نظري، وتحول إلى واقع يطارد أسماء وازنة نالت بالفعل تزكيات أحزابها للمشاركة في الاستحقاقات المقبلة. ولن يؤدي تفعيل مساطر العزل فقط إلى إفراغ تلك المقاعد وتجريد هؤلاء المسؤولين من مهامهم الحالية، إذ سيترتب عنه قانونا حرمانهم التام من حق الترشح وخوض غمار المنافسة الانتخابية التشريعية المقبلة، ما يمثل حكما بالإعدام السياسي المؤقت على وجوه ظلت تهيمن على المشهد لسنوات طويلة وتتحكم في الخريطة المحلية لدوائرها. ومن المرتقب أن يفرض هذا التحول الجذري والطارئ على اللجان الوطنية للانتخابات داخل الهيآت السياسية، الدخول في سباق حقيقي مع الزمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فالأحزاب التي بنت إستراتيجياتها الانتخابية على ما يعرف بـ "الديناصورات الانتخابية"، وهي تلك الوجوه التقليدية النافذة التي تتوفر على خزان انتخابي ثابت وشبكات علاقات معقدة وعميقة ومصالح متشابكة داخل مدنها جهاتها، تجد نفسها، اليوم، أمام معضلة غير مسبوقة. إن هذه الكائنات السياسية التي كان ينظر إليها كأوراق رابحة ومضمونة يصعب تعويضها، أصبحت تشكل عبئا ومصدرا للمخاطر السياسية والقانونية. أمام هذا الوضع المقلق، سارعت قيادات الأحزاب إلى وضع "خطة بديلة" والبحث العاجل عن أسماء احتياطية لدفعها إلى واجهة الترشيحات وتجهيزها لخوض النزال الانتخابي، إجراء احترازيا لتفادي المفاجآت الصادمة في حال صدور قرارات العزل الرسمية. ويرى المراقبون للشأن السياسي أن استبعاد هؤلاء الأعيان والوجوه البارزة، سيشكل "ضربة موجعة" للبنية التنافسية للأحزاب التقليدية التي تعتمد بالأساس على الفرد لا على البرامج السياسية. ومع ذلك، فإن هذا الحراك الرقابي الذي تقوده الداخلية يعد خطوة هامة نحو تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتخليق الحياة العامة، وضخ دماء جديدة في المجالس المنتخبة عبر إزاحة النخب المهيمنة وفتح المجال للنخب الشابة والكفاءات الوطنية للمساهمة في بناء مغرب الغد. عبد الله الكوزي