بانوراما

في رحاب سيد القمني2

المد الأصولي أخرجني من برجي العاجي

اقتحم بكتاباته مناطق الألغام في التاريخ الاجتماعي والفكري للإسلام، وتلك المناطق لا تصير كذلك إلا إذا تمنطق المقتحم إليها بأدوات تحليل جديدة، تتيح له التخلص من الأحكام المسبقة وتجعله ينظر إلى الأمور بتجرد يرفع غشاوة ألقيت على الأبصار والعقول طيلة قرون. إنه المفكر المصري سيد محمود القمني الذي وجد نفسه بمجرد ما فكر يوما في التصدي للأطروحة الأصولية في التعاطي مع التراث، متهما في أكثر من مناسبة في إيمانه وعقيدته، بل وصل الأمر إلى إهدار دمه وتهديده بالقتل في أكثر من مناسبة، ليتضح أن قتلة فرج فودة لم يكونوا يتوانون على الولغ في دمه إن أتيحت لهم الفرصة. صاحب كتاب “الحزب الهاشمي” و”حروب دولة الرسول” و”رب الزمان” و”النبي إبراهيم والتاريخ المجهول” وغيرها من الكتب العديدة التي أظهر فيها الكاتب المصري حسا أكاديميا وسجاليا على الخوض بجرأة في المناطق المحظورة.
وفي هذا السياق كان ل”الصباح” فرصة اللقاء به خلال زيارته الأخيرة للمغرب، قبل أسابيع، وخصها بحوار مطول ناقش فيه محطات من مساره الفكري ووجهة نظره في عدد من القضايا المتصلة بالفكر الإسلامي والواقع السياسي والاجتماعي في العالم العربي، ننشره عبر حلقات.
أجرى الحوار: عزيز المجدوب

< درست الفلسفة ثم تخصصت في ما بعد في الأساطير والتاريخ الديني القديم، كيف وجدت نفسك مقتادا لدراسة التراث الإسلامي ومجابهة المد الأصولي في مصر والعالم العربي من خلال معارك فكرية ما زالت رحاها دائرة إلى اليوم؟
< ولو أني أحبذ ألا أتحدث عن نفسي كثيرا، إلا أنني أجد نفسي مضطرا للإجابة عن سؤالك، فأقول إنني عاشق للتاريخ القديم والحضارات القديمة، خاصة التي صاغت مفاهيمهما وأنظمتها الاجتماعية والسياسية وطموحاتها وآمالها، في أساطير، عليك فقط أن تعيش زمنهم وتحبهم لتفصح لك الأسطورة، عن مكامنها، أن تفكر مثلهم، وتتخيل نفسك وأنت تعيش في هذا الزمان وأنك تفكر مثلهم، لتفهم المقصود من الأسطورة، فخرجت بثروة عظيمة من الأساطير فيها القيم وأساليب العيش، وطريق الحياة الاجتماعية والعلاقات بين المؤسسات، والقوانين، هذا هو عالمي الرائع والجميل، الذي أعشقه وكان محل اهتمامي، وكنت أكتب في هذا، وأول ما ألفت في هذا المجال كتابي “الأسطورة والتراث”، رغم أنني كنت أعرف أن من سيبحث ويقرأ في هذه المواضيع هم قلة، ولم يشغلني ذلك، ما كان يهمني هو متعتي الخاصة واللذة العقلية التي أجنيها من ذلك، ثم بعد ذلك أقدم كشوفي وأبحاثي، التي لم أجدها عند آخرين.
لكن مع الأسف الشديد فخلال الفترة التي كنت فيها خارج مصر منهمكا في دراساتي وبحوثي، وعدت إلى البلد، كانت قد قامت ما سمي ب”الصحوة الإسلامية” لا بارك الله فيها، واكتشفت أن مصر لم تعد مصر التي أعرف، وأصبح الأمر ليس فقط مجرد مظاهر، بل تعدى ذلك إلى الإرهاب، وأجهزة الإعلام التي كانت مملوكة للحكومة في ذلك الوقت، كانت تتحدث كما لو كان شعبها من المسلمين فقط، دون الأخذ بعين الاعتبار باقي مكونات الشعب، فليس لدينا أقليات بل أصلاء، فالأقباط مثلا هم أصحاب هذا البلد، وعددهم يصل إلى 12 مليون نسمة، ولو تكلمنا بشكل واقعي وبدون تعصب، فلدينا بهائيون وفرق أخرى صغيرة بداخل الإسلام منها الشيعة، لكن أجهزة الإعلام لم تكن تخاطب سوى المسلمين السنيين، حتى العلم سفهوه وجعلوه نعالا في أقدامهم يعلون به فوق رؤوس الناس، ويتحدثون عن الإعجاز العلمي للقرآن، وكيف سبق ربنا هذا الغرب واكتشف هذه المسائل العلمية وذكرها في القرآن، وهو ماروج له مصطفى محمود زغلول النجار.
واكتشفت أن أشقائي الذين كنت أعرفهم تحولوا إلى آلات ميكانيكية، من أجل الصلاة، أركب الحافلة أو “الباص” فأجد جل الناس فاتحين مصاحف يتمتمون في قراءتها وملتحين، ومخاصمين للمجتمع، لا يريدون أن يتطلعوا إلى الناس، وفي الوقت نفسه لا أعتقد أنهم مركزون ويفهمون ما يقرؤون، صانعين بذلك نوعا من “الذهان” النفسي والعقلي، فهم يستشعرون أنهم فوق الناس وأنهم يفهمون أكثر من الآخرين، ومن هنا يستشعرون اكتساب السلطة وواجب توجيه الناس وتأديبهم. هذا مجتمع لم أعرفه في القاهرة مع أواسط السبعينات ونهايتها، وفي هذه الفترة أيضا كان المغرب يعيش تحولات من هذا القبيل ففي منتصف السبعينات اغتيل المناضل اليساري عمر بنجلون على يد متطرفين إسلاميين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق