تحديات تموين أسواق السمك بين التقلبات الجوية وخصوصية الموسم

يواجه مهنيو قطاع الصيد البحري، خلال هذه الفترة من السنة، تحديا مزدوجا، يتمثل في ضرورة ضمان تموين الأسواق الوطنية بالمنتجات السمكية، بشكل منتظم، مقابل إكراهات طبيعية وموسمية خارجة عن إرادتهم.
في هذا السياق، قال مهنيون إن “المعادلة ليست بسيطة، إذ تتداخل فيها عوامل مناخية وبيولوجية واقتصادية، تزداد حدتها عندما تتزامن مع فترات ذات طلب مرتفع على المنتجات السمكية مثل رمضان”.
وأشار المصدر ذاته إلى أن شهري فبراير ومارس يعتبران، تقليديا، من الفترات التي تعرف اضطرابات جوية متكررة في الواجهة الأطلسية، حيث تشتد الرياح ويرتفع علو الأمواج، ما يحد من عدد أيام الإبحار الفعلي، ويؤثر بشكل مباشر على حجم المصطادات، مضيفا أن الفاعلين في القطاع يعلمون أن “نشاط الصيد رهين بحالة البحر، باعتباره مجالا طبيعيا لا يخضع لمنطق البرمجة الصناعية”.
إلى ذلك، أوضح المصدر ذاته أن هذه الفترة من السنة “تسجل عادة ضعفا نسبيا في مردودية بعض المصايد، خاصة الأسماك السطحية الصغيرة، نتيجة لعوامل بيولوجية مرتبطة بدورات الهجرة والتكاثر”. وأكد المتحدث نفسه أن “الكتل السمكية لا تستقر في المناطق نفسها، طوال السنة، بل تتحرك تبعا لدرجة حرارة المياه، وتوفر الغذاء والتيارات البحرية، ما يجعل وفرتها غير مستقرة زمنيا”.
وتزداد حدة هذا التحدي، الذي يواجهه المهنيون عندما يتزامن رمضان مع هذه المرحلة، كما هو الحال هذه السنة، إذ حل الشهر الكريم خلال فبراير ومارس. فمن جهة يرتفع الطلب الاستهلاكي على المنتجات البحرية، ومن جهة أخرى تتراجع القدرة الإنتاجية بسبب العوامل المناخية والموسمية، ما يضع المهنيين بين مطرقة تلبية حاجيات السوق وسندان محدودية العرض.
ورغم هذه الإكراهات، يبذل الفاعلون في القطاع مجهودات كبيرة للحفاظ على استمرارية التموين، من خلال استغلال فترات الاستقرار الجوي بأقصى فعالية، وتنظيم عمليات التفريغ والتوزيع بشكل يضمن تزويد الأسواق بالكميات المتاحة في أحسن الظروف. غير أن تحقيق التوازن بين استقرار الأسعار وضمان استدامة المصايد يظل، بحسب مصدر “الصباح”، رهينا بفهم موضوعي لطبيعة القطاع، بعيدا عن المقاربات الظرفية أو القراءات غير الدقيقة للمعطيات.
وزاد المصدر ذاته أن تدبير المرحلة يتطلب وعيا جماعيا بأن الصيد البحري نشاط مرتبط بإيقاع الطبيعة، وأن استدامة الموارد وحماية التوازنات البيئية تظل أولوية لا تقل أهمية عن تموين الأسواق. فالمعادلة الحقيقية “تكمن في تحقيق الأمن الغذائي دون استنزاف المخزون، وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي دون مجازفة غير محسوبة في ظروف بحرية غير ملائمة”.
وفي هذا السياق، يظل التنسيق بين الإدارة والمهنيين، واعتماد قرارات مبنية على المعطيات العلمية والميدانية، أساسا لضمان تدبير عقلاني يراعي مصلحة المستهلك والمهني والموارد البحرية.
ووعيا منها بكل هذه الإشكاليات التي تفرضها حالة الطقس، أطلقت الحكومة مبادرة “الحوت بثمن معقول” خطوة عملية لتغطية الطلب المرتفع على الأسماك خلال هذه الفترة التي تعرف إقبالاً استثنائياً من الأسر المغربية. هذه المبادرة ما فتئت تتطور سنة بعد أخرى، سواء من حيث حجم العرض أو عدد نقاط البيع، حيث ارتفع عددها هذه السنة إلى أكثر من 1000 نقطة بيع موزعة على ما يناهز 47 مدينة، ما يعكس نجاحها واتساع أثرها الاجتماعي.
ووعياً منها بالتقلبات المناخية التي تؤثر على نشاط الصيد البحري، وبتنسيق مع كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري والمهنيين في القطاع، تم إدراج السردين المجمد ضمن المبادرة بسعر لا يتجاوز 13 درهماً، ضماناً لاستقرار التموين وتفادياً لأي خصاص محتمل. أما بالنسبة إلى الأسماك البيضاء، فتتراوح أثمنتها ما بين 17 درهما و80، حسب الصنف بما يراعي القدرة الشرائية للمواطنين وتنوع العرض. وفي ما يخص السردين الطري، فرغم الإكراهات المناخية وصعوبة ظروف الإبحار، يظل ثمنه متذبذباً بين 12 درهما و25، تبعاً للعرض وظروف الصيد.
وتؤكد هذه المبادرة أن تظافر جهود الحكومة والمهنيين كفيل بضمان تموين منتظم للأسواق، وتحقيق توازن معقول بين حماية القدرة الشرائية للمستهلك واستدامة نشاط الصيد البحري.






