شرعية اللجنة المؤقتة الحالية لتسيير قطاع الصحافة

على النقيض من الإشكاليات الدستورية والقانونية التي يثيرها مشروع “اللجنة الخاصة الجديدة”، التي حاول الأمين العام للحكومة، محمد الحجوي، فرضها، تطرح مسألة شرعية اللجنة المؤقتة الحالية، في سياق مغاير تماما. فإذا كانت اللجنة الخاصة الجديدة تثير إشكالات تتعلق بالوصاية الحكومية والمساس بالتنظيم الذاتي، فإن النقاش حول شرعية اللجنة المؤقتة المنتهية ولايتها يندرج ضمن إشكالية “الاستمرارية المؤسساتية” في مواجهة “الفراغ القانوني”. فقد تأسست اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر بموجب القانون رقم 15.23، الذي أحدث لتدبير مرحلة انتقالية بعد انتهاء ولاية المجلس الوطني للصحافة.
وقد كانت هذه اللجنة – خلافا للجنة الجديدة – ذات شرعية مهنية مزدوجة، شرعية الانتماء للمهنة، إذ أن غلب أعضائها من الصحافيين والناشرين المنتخبين، مما يمنحها غطاء مهنيا وأخلاقيا لممارسة المهام المسندة إليها، ثم شرعية التكليف القانوني، حيث أنها استندت في عملها إلى نص قانوني صادر عن البرلمان.
ورغم أن المشكلة الجوهرية تكمن في انتهاء ولاية هذه اللجنة بتاريخ 5 أكتوبر 2025، عملا بمقتضيات قانون إنشائها الذي حدد مدة انتدابها بسنتين، أي أنه يمكن تفهم استمرار اللجنة في العمل على أساس مبدأ “ضرورة استمرارية المرفق العام” و”نظرية الظروف الاستثنائية”، خاصة في ظل الفراغ القانوني الناتج عن عدم دستورية مشروع القانون الجديد من قبل المحكمة الدستورية في 22 يناير 2026، وكذا تداعيات توقف تسليم بطاقات الصحافة على أوضاع المئات من الصحافيين، وحقهم في ممارسة المهنة، وعلاقاتهم مع المؤسسات الوطنية والدولية.
أما مشروع المرسوم بقانون المتعلق بإحداث “لجنة خاصة لتسيير قطاع الصحافة والنشر”، فيطرح إشكاليات دستورية وقانونية جسيمة، تأتي في سياق مشهد مؤسساتي معقد. فبعد قرار المحكمة الدستورية الصادر في 22 يناير 2026 بعدم دستورية بعض المواد في مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة ، وجدت الحكومة نفسها أمام فراغ قانوني مع انتهاء ولاية اللجنة المؤقتة السابقة في أكتوبر 2025 . غير أن اللجوء إلى آلية المراسيم بالقوانين لإحداث هيئة وصاية على قطاع الصحافة، كما يطرح ذلك الأمين العام للحكومة، يثير إشكالات أعمق مما يعنيه مجرد تدبير مؤقت لمرحلة انتقالية.
ويطرح مشروع المرسوم بقانون إشكالا جوهريا يتعلق بمدى اختصاص السلطة التنفيذية، عبر آلية المرسوم بقانون المنصوص عليها في الفصل 81 من الدستور، في إحداث هيأة وصاية على مهنة منظمة. والملاحظ أن التنظيم المهني، خاصة فيما يتصل بضبط أخلاقيات المهنة ومنح بطاقة الصحافة، يدخل في صميم الاختصاصات المخولة للهيئات المهنية الذاتية التنظيم . وتأسيسا على ذلك، فإن تدخل الحكومة بهذه الصورة يمس بمبدأ استقلالية القطاعات المهنية التي يكفلها الدستور، ويمثل تعديا على السلطة المستقلة للمهنيين في تدبير شؤونهم، بما يرقى إلى مصادرة الحق في التنظيم الذاتي المكفول بموجب المواثيق الدولية والدستور الوطني . وقد أكد الفصل 28 من الدستور على أن حرية الصحافة مضمونة، وأن تنظيم الصحافة يجب أن يكون مستقلا وديمقراطيا.
وتثير تركيبة اللجنة المقترحة إشكالية قانونية كبرى، حيث تضم قاضيا منتدبا عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية بصفته رئيسا، إلى جانب ممثلين عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وعضوين من الأساتذة الجامعيين خبيرين في مجال الحريات العامة يعينهما رئيس الحكومة، هذه التركيبة المختلطة تحدث التباسا خطيرا حول طبيعة القرارات الصادرة عن اللجنة. فهل القرارات ذات طبيعة قضائية بحكم أن القاضي يرأس اللجنة؟ أم أنها إدارية بحتة؟ هذا الخلط يهدد مبدأ الأمن القانوني والمؤسساتي، ويخلق حالة من الضبابية حول طرق الطعن الممكنة في قراراتها . كما أن إشراك قاض في هيئة وصاية ذات صفة إدارية مكلفة بمنح البطاقات المهنية والفصل في النزاعات الأخلاقية والتسيير الإداري والمالي، يمس بمبدأ استقلال السلطة القضائية وحيادها، ويحول القضاء إلى أداة للوصاية الإدارية بدل أن يبقى حكما محايدا بين المتخاصمين.
مثل هذا الإجراء يشكل تعديا سافرا على اختصاصات مجلس قائم بموجب القانون. فاللجنة المؤقتة السابقة لتسيير قطاع الصحافة والنشر لها شرعية الانتماء للمهنة، كما أن أغلب أعضائها منتخبون، بينما مشروع اللجنة الخاصة الجديدة لا علاقة لها بالمهنة وكلها معينة من خارج قطاع الصحافة.






