ملف عـــــــدالة

تجليات الوشاية الكاذبة في القانون

جميع التشريعات تستعمل الوشاية مدلولا لتبليغ جهة أو شخص معين بوقائع لا يكون المبلغ طرفا فيها

طبقا للفصل 445 من القانون الجنائي فإن عناصر الوشاية الكاذبة تتمثل أولا في صدور فعل مادي بالتبليغ الكاذب، وثانيا أن يكون التبليغ بمحض إرادة المبلغ، وثالثا أن يكون التبليغ موجها ضد شخص أو أشخاص معينين، رابعا أن تكون الواقعة المبلغ عنها يعاقب عليها إداريا، خامسا أن يوجه إلى أشخاص أو هيآت حددها القانون، وسادسا القصد الجنائي.
ويميز المشرع الجنائي بين الشكاية والوشاية، إذ لا تقوم أي واحدة منهما مقام الأخرى، وتأكيدا على ذلك فالمادة 40 من قانون المسطرة الجنائية تنص على أنه: “يتلقى وكيل الملك المحاضر والشكايات والوشايات ويتخذ بشأنها ما يراه ملائما”.
والمدلول القانوني للوشاية ليس هو نفسه للشكاية، فجميع التشريعات تستعمل الوشاية كمدلول لتبليغ جهة أو شخص معين بوقائع لا يكون المبلغ طرفا فيها، في حين أن المشتكي إنما هو طرف متضرر شخصيا من الفعل الذي يبلغ به الجهة أو الشخص المعني.
ومن جهة أخرى لا يعتبر رفع الشكاية أو إخراجها من الحفظ فعلا جرميا يبرر ما انتهى إليه القرار المطعون فيه، وهذا ما سار عليه المجلس الأعلى في كثير من قراراته منها ما جاء في قرار بتاريخ 09/06/1993:
“إن الطاعن قام بفعل يسمح له به القانون، حيث قدم شكاية بأفعال يعتبرها مسا بحقوقه أمام النيابة العامة التي لها حق المتابعة أو عدمها، وإذا كانت النيابة العامة هي التي فتحت المتابعة ضد المدعي المطلوب في النقض، فإن العلاقة السببية بين ما قام به الطاعن والضرر المدعى به، لا وجود لها، لأن الطاعن لم يقم بأي فعل غير مشروع، ولا يلزم ثبوت سوء نية الطاعن المتدخل كطرف مدني أمام المحكمة الجنحية”.
وجاء أيضا في قرار آخر، “ليس كل مشتك مسؤولا عن الضرر اللاحق بالمشتكى به، خصوصا أن النيابة العامة هي التي فتحت المتابعة”.
وبما أن التساهل في تقرير التعسف في استعمال حق المشتكي سيعطي الخصم سيئ النية فرصة مطالبة خصمه بالتعويض زاعما أن مباشرة الشكاية ضده كانت إجراء تعسفيا وهو ما يؤدي إلى توقف صاحب الادعاء عن إثارة ادعاءاته وحماية حقوقه أو التخلي عن دعواه بعد مباشرتها، لذلك استقر الفقه على منح مباشر حق الدعوى نوعا من الحصانة النسبية بحيث لا تقرر تعسفه وبالتالي مسؤوليته بشكل متساهل.
وترتيبا على ذلك ذهبت بعض الأحكام إلى اشتراط نوع معين من التعسف حتى يوجد الخطأ.
ذلك أنه إذا كان حق الالتجاء إلى القضاء يعتبر من الحقوق التي تثبت للكافة ولا يكون من استعمله مسؤولا عما ينشأ من ضرر للغير، إلا إذا انحرف بهذا الحق عما وضع له واستعمله استعمالا كيديا ابتغاء مضارة الغير، فإنه يعتبر من باب التعسف “الادعاء الذي لا يستند إلى مصلحة في رفع الدعوى وإنما يكون وليد نزعة شريرة أو كان بسوء نية أو بقصد النكاية أو بخطأ جسيم يتساوى والغش”، (قرار محكمة النقض الفرنسية)
كما يعتبر متعسفا المدعي الذي يرفع دعواه أمام محكمة غير مختصة ومن يبني دعواه على وقائع غير صحيحة، وهو يعرف ذلك، بقصد أن يتجشم مدينه متاعب الانتقال.
كما استقر قضاء النقض الفرنسي على أن الخطأ الجسيم أو الغلط الجسيم يعادل قصد الإضرار أو سوء النية وهو الذي يبرر اعتبار الدعوى تعسفية، ومن تطبيقاته لهذه الفكرة أن يكون المدعي أو المشتكي يعلم يقينا بانقضاء حقه في الدعوى كما لو كان قد تصالح أو سبق صدور حكم في موضوعها.    
وإعمالا للقواعد نفسها التي قررها الفقه واستقر عليها قضاء محكمة النقض الفرنسية، يقول المجلس الأعلى “لما اشترط الاحتيال في رفع الدعوى، وصدورها عن سوء نية لاعتبارها تعسفية، كما اشترط توافر الخطأ وقصد الإضرار بالغير، وإلا فلا مجال للمسؤولية إذا كان ما فعله الشخص يسمح له به القانون:
1 ـ إن المرافعة عن دعوى لا تستحيل إلى أعمال عدوانية، ويترتب عليها التعويض…، إلا إذا كانت احتيالية أو صدرت عن نية سيئة أو برزت في ثوب غلط قصد منه التدليس”.
2 ـ “يكون ناقص التعليل الحكم الذي قضى بمنح التعويض دون بيان الفعل أو الخطأ الذي ترتبت عنه المسؤولية ونتج عنه ضرر الغير”.
“لا يكفي أن يخسر المدعي دعواه ليحكم عليها بالتعويض لفائدة الخصم دون بيان العناصر المكونة للمسؤولية، إذ لا مجال للمسؤولية إذا كان ما فعله الشخص يسمح به القانون ولم يقصد به الإضرار بخصمه”.
“تكون المحكمة جانبت الصواب حين قضت على الطاعن بأدائه للمطلوب مصاريف التداعي والتعويض عن انقطاعه عن العمل دون أن تبين أن الدعوى كانت تعسفية وبقصد الإضرار بالخصم”.
لذلك واعتبارا لأن الشخص إذا فعل، بغير قصد الإضرار، ما كان له الحق في فعله فلا محل لمساءلته (الفصل 94 من قانون العقود والالتزامات)، وإذا كانت المساءلة المدنية غير ممكنة فبالأحرى المساءلة الجنحية.

إعداد:  م . ص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق