fbpx
الأولى

الإسلام وأزمة تبرير الوجود

هل أخطأ المسلمون الطريق حين قمعوا دعوات تجديد التراث؟

 

لم يحدث عبر التاريخ أن وجد الإسلام (والمسلمون معه) نفسه أمام أزمة هوية وتبرير وجود، مثلما يقع في هذه الفترة بالذات، بسبب تسارع وتيرة الأحداث العنيفة التي وضعته في بؤرة الاتهام بإشاعة الرعب والإرهاب في العالم.

ووجدت فئة عريضة من المسلمين نفسها في موقف دفاع ودرء شبهة العنف والدم عن الإسلام وربطه بالتسامح وثقافة الاختلاف، وهو الأمر الذي يجعلهم يصطدمون مع تراث هائل من النصوص الدينية و«الاجتهادات» الفقهية التي بذلت جهدا نظريا كبيرا للحيلولة إعادة النظر في هذا التراث بالشكل الذي يجعله منخرطا في مشاريع مدنية وحداثية.
ففي الوقت الذي يحاول فيه الكثيرون التبرؤ من «داعش» ومن جرائمها، بدعوى أنها لا تمثل الإسلام في شيء، يتناسون أن هذا التنظيم ومعه كل التنظيمات المتطرفة والإرهابية التي سبقته أو التي ستأتي بعده، ليست بنيازك ساقطة من السماء، أو نباتات برية نبتت دون رعاية وتعهد، بل هي امتداد لمسلسل طويل من فهم خاطئ للدين يزعم أنه هو الأصح والأكثر ارتباطا بحرفية تطبيق التعاليم الدينية.
يتحدثون بتقزز عن الدم والعنف، وكأننا كنا أمة «رومانسية» لم يرتبط القتل بها منذ تشكيل نواتها الأولى، وقُتل جل خلفائها الراشدين، بسبب الصراع على الحكم وغُلّف هذا الصراع بتبريرات نصية جعلتها الأفهام البشرية قطعية لا تحتمل التأويل.
خلال الحقبة الأولى لتشكيل الدولة الإسلامية، كانت هناك مفترقات طرق وإمكانات للسير قدما في معالم الحداثة، قبل أن تظهر لدى الغرب، منذ أن ظهرت في تاريخ الفكر الإسلامي حركات معتدة بالعقل والاجتهاد البشري أشهرها المعتزلة.
استحضار هذه الحركة الفكرية ليس من قبيل الترف الفكري، فمعها طرحت مسألة تعارض النص الديني مع الأحكام العقلية، فكان الحل لديها هو اللجوء إلى «التأويل»، بشروط خاصة، لرفع هذا التعارض، وجعل الأحكام الدينية متماهية مع شروط تطور المجتمع البشري وتعقد بنياته.
فكرة «التأويل» هاته تمت شيطنتها ومحاربة ووأد كل من يدعو إليها، عبر مسلسل طويل من الاستبداد الفكري والديني والسياسي، استعملت فيه كل الوسائل العنيفة والدموية التي كانت تجد في النص الديني «غير المؤول» و»غير قابل للتفكير فيه» مبرراتها.
فكيف يمكن للمسلمين اليوم إقناع الآخرين بأن الإسلام فعلا بعيد العنف، وهم لم يحسموا بعد مع نصوص دينية تدعو صراحة ودون مواربة إليه، لأن باب الاجتهاد والتأويل في هذا المجال موصد، وكل الدعوات المتنورة عبر التاريخ للتعامل المفتوح معه منذ المعتزلة مرورا برموز العقلانية الإسلامية في العصر الوسيط وصولا إلى دعاة الإصلاح الديني وتجديد قراءة التراث في القرن العشرين وما بعده، مع علي عبد الرازق وطه حسين وحسن حنفي والجابري وأركون وتيزيني والعروي وطرابيشي وغيرهم، تمت مصادرتها وظلت مثل صيحات في واد لم تجد لها مستجيبا.
إن المضي قدما في صمّ الآذان عن دعوات تجديد التراث والتعامل بمرونة مع النص الديني، من شأنه أن يجعل أزمة الوجود الإسلامي تستفحل أكثر، فلم يعد هناك وقت للانكماش والنكوص، فإما الانخراط في المدنية والحداثة، وإما الخضوع لتعاليم الظاهريين والحنابلة وأحفاد ابن تيمية والوهابيين والغرق في مستنقع تبرير العنف والدم وتنفيذه، والذي لن يأتي على أحد غيرهم.

عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى