fbpx
خاص

عمار الجندي الذي مارس السياسة في سجون بوليساريو – الحلــــــــــــــــــقة 3

هناك… تبدو كلمة مغربي، مرادفا ل”عدو”، لكيان يمكن تجريده بكل قسوة من إنسانيته، من كرامته. وهي أيضا معادل لإشارة تعذيب: اضرب، احرق، اقطع، نكل…ابصق…اقتل…وهذا ما عاشه جنود مغاربة احتجزتهم جبهة بوليساريو أزيد من عشرين سنة… هنا… تبدو كلمة إنصاف، مرادفا ل”مستحيل”، لفعل يمكن تعويمه في بحر الوعود، وإغراق جثته في بركة أكاذيب، وهي

أيضا معادل لإشارة
إقصاء: “خونة”، “سير وآجي”، “إهمال”، “إحباط”…وهذا ما عاشه الأسرى المفرج عنهم من معتقلات بوليساريو بعد حوالي سبع سنوات من عودتهم إلى أرض الوطن… هذه…خلاصة
حكاية رجال قادهم سوء الطالع إلى سجون مرتزقة بوليساريو والجزائر، واختارتهم الأقدار ليفرغ فيهم الحاقدون سم هزائمهم وكراهية فشلهم وغل عجزهم عن إنجاح مؤامرة
الجزائر وربيبتها “بوليساريو”. حكاية يرويها عمار فنيد، أحد أقدم أسرى المعارك التي افتعلتها الجزائر، وقادها مرتزقة بوليساريو. يحكي عمار عن علاقة أسامة بن لادن
بجنرالات الجزائر، وعلاقة جورج حبش بالبوليساريو وياسر عرفات ووزراء دفاع إيرانيون ودانيال متران، وعن علاقات مع مافيات مواد التموين لتهريب
الأسر المحتجزة، وعن جنود مارسوا السياسة من أجل الوطن، والتعذيب وعن اغتصاب ضابط موريتاني أمام 7000 تلميذ ورمي مغاربة
يحتضرون في الخلاء حتى تجف أجسادهم ولا تدفن جثثتهم.

الأشغال الشاقة تبدأ فجرا وتنتهي الواحدة ليلا، أما حين تحل ذكرى 20 ماي، فإنها بداية جحيم آخر، “إذ يفرض علينا العمل 45 يوما دون انقطاع، ليل نهار، أي 45 نهارا و45 ليلا، حتى أنه إذا ذبحك أحدهم، فإنك لن تشعر بالألم، “لأننا تحولنا إلى شبه حجارة”، الجري والأعمال الشاقة، لا نستوعب ما يقال، لا أحد يتقبل ذلك، لا رحمة، المرأة تضربك والرجل أيضا، البعض الآخر يملأ وجهك بالبصاق، يرمونك بأي شيء وكأن هذه الذكرى مناسبة تفتح عليك أبواب جهنم”.
لا يحين المؤتمر الشعبي، حيث تأتي الوفود من بعض بلدان العالم، إلا والأسرى قد تحولوا إلى خرق بالية، “كنا نكلف ببناء 5 آلاف خيمة، بفراشها وكل شيء فيها، وهذه الخيم تضم عوالم غريبة، إذ هناك تحيي الوفود حفلات ماجنة، تقدم إليهم طفلات صغيرات، منهن المختطفات، بل وبناتهم أيضا، نسمع بكاءهن، ونرق حقيقة لحالهن، لكن لم يكن بمقدورنا فعل شيء، وهذا تخبره جيدا كجمولة، اسألوها عن هذا الاغتصاب القسري للطفلات في خيم المؤتمر، صباحا يطلب منا جمع مخلفات الخيم، قنينات الخمر وأعقاب سجائر ونفايات أكل باذخ، فيما يجوع المحتجزون، بعد استكمال الذكرى نكلف مرة أخرى بجمع كل شيء، ونعيد الوضع إلى ما كان عليه”.
كانت كجمولة شابة صغيرة ترتدي بزة عسكرية، “أجل أذكرها، أخبروها عني، أخبروها عن عمار الذي منحته حذاء بعد سنوات من الحفاء، كانت تنظر بأم عينيها إلى هذه المشاهد، وكان لي معها حوار، حين منحتني الحذاء، إذ قضيت فترة طويلة وأنا حافي القدمين، لتمدني به، كانت حينها رئيسة الاتحاد النسوي وعمرها لم يكن يتجاوز السابعة والعشرين، هذا تاريخ دقيق، لا يمكن إنكاره، حضرت من التدريب العسكري بليبيا، وكانت تنظم معسكرات في الصحراء، أقولها أمام عمر الحضرمي وأيوب الحبيب وغيرهم ممن قاسيت أمامهم، وكانوا جميعهم ينظرون،  إذ كانت من بين اللواتي يسهرن مع الوفود عضوات في اتحاد كجمولة”.
بعد الاستعراض يطلبون من الأسرى المرور عند الحلاق، وحتى هذه العملية لم تكن تمر دون تعذيب، إذ يتم حلق رؤوس ووجوه عشرة أسرى بشفرة واحدة، ثم يمنحونا قليلا من مسحوق غسل الملابس، ويأمرنا الحراس بغسل الرأس، وعمدا يطلب منك الانتهاء من العملية قبل استكمالها ليحرق المسحوق عينيك، وكلما حككت أي جزء من وجهك تثير مرة أخرى حرق عينيك، لأنك لم تغسل المسحوق جيدا، ومازال عالقا في وجهك، وإذا لم تمتثل يضربك بقوة، فاللهم آلام حرق العيون أو الضرب، خاصة أننا متعبون جدا”.
ساعة العرض على الوفود، قد تجر هي الأخرى على الأسرى الآلام والآلام، فبعضهم يعاملهم باحتقارية وبعضهم يحتفظ بإنسانيته رغم اختلاف المواقف، “بعضهم متواضع وبعضهم منحاز، ومنهم جورج حبش، واجهنا مواجهة مؤسفة، إذ أول ما وقف أمامنا حمل العلم الوطني المغربي وبدأ يدهسه ويرفسه برجليه كما لو كان صرصارا، تقدم منه محمد رحال من جبهة بوليساريو وانتزع العلم من تحت قدميه، وقال له، “العلم مقدسات المغرب، وليست الملك، وحربنا مع الملك وليست مع العلم الوطني”، ثم قال لنا جورج حبش، وقد امتلأ غيضا “لماذا لم تكونوا مثل جبهة الرفض؟، رد عليه أسرى مغاربة ساخرين، نحن نسميها جبهة الرفص، بالصاد لا بالضاد، وكان بعضهم قرؤوها في جرائد في مكاتب مسؤولين أثناء تكليفهم بتنظيفها. شعر جورج حبش بالسخط حين رد عليه بعض الأسرى بهذه الطريقة، ولولا أنه كان حاضرا في اللقاء أعضاء آخرون من الوفد لربما قام بما هو أكثر من الغضب، فوجه إلينا كلامه مرة أخرى قائلا: “سأودعكم الآن، لكن أنا على يقين أننا سنلتقي في الجمهورية المغربية قريبا جدا، قريبا…”، تأملناه بسخرية، لكن الشاهد هو الله شعرنا بالقلق حين قال “جمهورية وليس ملكية”، وهذا ما يذكرني بأشياء كانت تحز في أنفسنا ونحن رهن الأسر، إذ كنا نتوصل بأخبار سواء عبر الجرائد، عن الفلسطينيين واللبنانيين والإيرانيين والسوريين وغيرهم، فيما كانوا هم ينغصون علينا، ولم تكن أخبارنا ضمن التي تنشر يوميا في الجرائد وهو ما كان يجعلنا محط سخرية هناك، لقد تم تناسينا بالمرة، بل إن أخبار العالم في الصفحات الأولى والجمعيات تخرج للاحتجاج تضامنا مع فلسطينيين ومصريين، ونحن هنا نتعذب، وحينها كان رؤساء هذه الدول يعانقون هنا قياديي بوليساريو ، وذات مرة عانق ياسر عرفات في الجزائر أحد قياديي بوليساريو وقال له: “عدونا وعدوكم واحد، عدوكم في المغرب وعدونا في القدس”، كان الناس يبكون فلسطين ولا يبكوننا، وحين عدنا قالوا لنا “هذا واجب عسكري”.
لم تكن تمر زيارات الوفود بسلام بالنسبة إلى الأسرى، لأنهم بالإضافة إلى الأعمال اليومية التي تنضاف إلى كاهلهم، فهم يواجهون استفزازات بعضهم، وردهم عليهم قد يكلفهم غاليا، وهو ما يحكيه عمار “حضر ضمن وفد زار بوليساريو جنرال عسكري إيراني، طلب منهم تجميعنا في الساحة، ووقف أمامنا متبخترا بهيأته بعد أن كل المرض والقهر والتعذيب هيأتنا، ولم نكن بحال جنود مستعدين للموت، بل مجرد خدم وأشباه عبيد تمرر من فوق ظهورهم الحجارة. تقدم الجنرال وطلب من مستضيفيه المناداة على الضباط من الأسرى، ففعلوا ذلك تقدم علي نجاب والصفريوي، قال لهما الجنرال، وأعتقد أنه كان وزير الدفاع كلاما ساخرا، إذ شرع يسخر من معدات المغرب العسكرية المحتجزة هي الأخرى، وقال إنها قديمة وليست متطورة، وبدأ في استفزازهما، فرد عليه علي نجاب: وهذه المعدات التي تراها هناك في المغرب نتركها ليتآكلها العشب، لا نعمل بها أصلا، وأضاف أيضا بغضب قائلا: أنت وزير ولن تعرف ما أعرفه عن السلاح درست في أمريكا وفرنسا وأنت لا تساوي شيئا أمامي، أو أمام أبسط عسكري مغربي. وطبعا لم يقل عنه الصفريوي شراسة، وكانت عقوبتهما قاسية جدا، إذ أحضروهما مساء، وقرروا عقوبة غريبة في حقهما، إذ كان على علي نجاب والصفريوي أن يحملا يوميا ثمانين كيلوغراما والمشي بها مسافات طويلة تحت حراسة مشددة، ثم العودة وهما حافيا القدمين، ولم تتوقف العقوبة إلا بعد أن انسلخ جلد قدميهما، وكان الجميع يبكي لحالهما، كما كانوا فخورين بهما، لأنهما واجها جنرالا إيرانيا، ومن يومها أصيب علي بداء السكري فيما أصيب الصفريوي بمرض عقلي.
وفود أخرى رقت قلوبها لحال الأسرى المغاربة، ومنهم صحافيون اغرورقت أعينهم دمعا وهم ينظرون إلى الوضعية الصحية التي يوجد عليها هؤلاء، وطريقة حلق رؤوسهم والأوساخ البادية عليهم، بل إن آثار الضرب القديم والجديد بادية عليهم.

ضحى زين الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق