fbpx
ملف عـــــــدالة

الخبرة الجينية تفك ألغاز جرائم كبرى

تلعب أدوارا إستراتيجية في مساعدة القضاء على تحقيق العدالة وإعادة الطمأنينة إلى النفوس

أثبتت الخبرة الجينية، التي تجرى على عينات من الحمض النووي لعدد من المشتبه في علاقتهم بقضايا ذات طابع جنائي، مثل جرائم القتل والاغتصاب، أن هؤلاء المشتبه فيهم فقط، الذين ظلوا ينفون التهم المنسوبة إليهم إلى آخر لحظة، ويذرفون دموع التماسيح أمام ضباط الأمن أو الدرك أو قضاة النيابة العامة والتحقيق والحكم، هم الفاعلون الحقيقيون. وبينما يأخذ بعض القضاة نتائج الخبرة الجينية على سبيل الاستئناس فقط، ويجتهدون في توفير أدلة وقرائن أخرى لإثبات التهم المنسوبة إلى المشتبه فيهم، يستند آخرون على هذه الخبرات، ويتخذون قرارات الوضع تحت الحراسة النظرية أو الاعتقال الاحتياطي، أو حتى أحكام الإدانة، بناء على ما يرد في تقارير الطب الشرعي، فلكل من هؤلاء القضاة قناعاته واجتهاداته، وليس ملزما بالنظر إلا في ما تستقر عليه قناعته الشخصية.
بعد أن أثبتت الخبرة الجينية التي أجريت على الحمض النووي لإمام مسجد وفقيه بوزان، أنه هو الأب البيولوجي لمولود خادمته، قرر قاضي التحقيق بالغرفة الثانية باستئنافية القنيطرة وضعه، رفقة ابنيه وزوج وهمي، رهن الاعتقال الاحتياطي، رغم تشبث المتهمين بالإنكار.
تفاصيل القضية انطلقت عندما تقدمت جمعيات حقوقية بشكاية إلى النيابة العامة ضد المتهمين، تكشف أن الأب اغتصب الخادمة وتسبب في حملها، وبعد أن أنجبت تنكر لها وحاول تزويجها بعامل في مقهى يملكها ابنه، رئيس المجلس البلدي. المتهمون ظلوا ينفون المنسوب إليهم في جميع مراحل التحقيق، لكن الخبرة الجينية، التي توصل بها قاضي التحقيق، وضعت أفراد الأسرة بأكملها في موقف حرج، بعدما أثبتت الأبوة البيولوجية للأب المفترض.
وعلق مصدر حقوقي على المستجد بأن الخبرة الجينية، التي جاءت بنسبة 99.99 في المائة، لا تثبت الأبوة البيولوجية وحدها فحسب، وإنما «تورط نافذين في تزوير عقد زواج أيضا»، لكون «الفقيه» يصر على نسب أبوة الرضيعة إلى أحد العمال، بينما تؤكد الضحية، ومعها الفعاليات الحقوقية التي تساندها، أن العامل تم تزويجه بالخادمة بعد إنجابها من خلال سياسة الترغيب والترهيب، في إطار محاولات طمس الفضيحة. وقد باشر قاضي التحقيق اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، ومنها وضع جميع الأظناء رهن الاعتقال الاحتياطي، في انتظار تعميق التحقيقات معهم.
ويستنتج من العديد من الحالات المماثلة، التي تكشف فيها الخبرة الجينية عن طريق تحاليل الحمض النووي وغيرها من وسائل فك ألغاز العديد من الجرائم، والوصول إلى منفذيها، أو حصر لائحة المشتبه في ارتكابها على الأقل، أن الطب الشرعي يلعب أدوارا هامة، بموازاة مع جهود المحققين الذين يبحثون عن الأدلة وجمع المعلومات والقرائن ضد المشتبه فيهم، كما تبقى لتقارير الخبرة الشرعية الكلمة الفصل في تحديد المشتبه في ارتكابهم بعض الجرائم التي تقع تحت طائلة القانون الجنائي.
وإذا كانت التجربة المغربية في هذا المجال تعتبر رائدة بين العديد من الدول المغاربية والعربية، كما يشير الكثيرون من أهل الاختصاص، فإن الإكراهات المتنامية في ما يتعلق بالجريمة المنظمة والإرهاب، في الظرفية الراهنة والمقبلة، تتطلب المزيد من التعبئة وتطوير عمل ووسائل خبراء الكشف عن ألغاز الجرائم، وهذا لا يعني البتة تبخيس الجهود المبذولة في هذا المجال، ولا الإنجازات المحققة من طرف العشرات من الكفاءات الوطنية المتوزعة على العديد من المختبرات التي تلعب أدوارا استراتيجية هامة في تحقيق الأمن والاستقرار ومساعدة العدالة في كشف ألغاز الجرائم الكبرى، وبالتالي إعادة الطمأنينة المفقودة إلى النفوس.

محمد البودالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق