fbpx
دوليات

حـسـنـي مـبـارك… آخـر الـفـراعـنـة

عسكري تسلل إلى السلطة فاستوطن فيها وطرد بإذلال منها

عندما ظهر الرئيس حسني مبارك وهو يلقي خطابه الثالث والأخير، كان أشبه بمومياء فرعونية، بوجه قاحل، ويابس، لا ينتظر شيئا، لأنه لم يعد هناك شيء يمكن انتظاره، بعد أن انقضى كل الوقت وفات الأوان، وحدها الكلمات، آخر الكلمات التي عثر

عليها في لسانه ظلت تسعفه بإلقاء ما تبقى من وعود التهديد والوعيد للشعب المصري، ويتمنى، مجرد التمني فقط، أن يرى قاهرة المعز، وهي تحترق، كأنه شعور مستعاد لنيرون
وهو يحرق روما ويتفرج على النار وهي تلهب الشعب الذي يطلب نهايته وتنحيته، وكنسه من السلطة، ورميه خارج مصر وإغلاق الباب.

فقد ظل حسني مبارك يموت كل يوم منذ اشتعال الثورة في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، كل يوم يستيقظ على نياح حزين، وينام على تشييع شنيع، لأن الشعب أنهى مهمته منه، واستغنى عن خدماته.. لكنه ظل ينتظر حتى يتعب الشعب من الصراخ، وهذه نصيحة مستشاريه، فالشعوب تتعب، وتضيق، وقد تنهزم، لكنها لا تغير رأيها في طاغية، ولا تنسى، فقط تنتظر أن تحين اللحظة المناسبة، لتحيا من جديد، وتعاود المطالبة بإسقاطه وردمه..

عجوزا أو مغتالا
قال دبلوماسي مصري متقاعد، إن حسني مبارك، لن يرحل عن السلطة إلا اغتيالا أو موتا طبيعيا، لأن تاريخ مصر، لم يعرف أبدا، وعلى امتداد أربعة آلاف سنة، ثورة شعبية تطيح بالحاكم، كان المصريون ينتظرون إلى أن يشيخ الحاكم، فيشيعونه شامتين، وفي أفضل الظروف وإذا هدهم الانتظار، فإنهم يغتالونه، وفي الحالتين، فإن الحاكم المصري، في موته العادي أو اغتياله يبقى حاكما، لكن حسني لم يحظ بهذا التشريف، فقد خرج الشعب لمطالبته بالرحيل عن السلطة.. فرحل، لأنه لم يجد من يدافع عنه أو ينتصر له.
لم يجد الجيش في جانبه، لأنه خانه بصبره وانتظاريته، ولم يجد لا الحزب الذي تهاوى كالجبنة المصرية، ولم يجد أمريكا التي كان يعاملها، كأنها “الماما”، التي لا يمكن لها أن تتخلى عن ابنها، وتتركه فريسة لمن يرغب في طرده من السلطة والبلاد، في لحظاته الأخيرة، لم يجد حسني مبارك، أحدا بجانبه، لم يجد من يدافع عنه، وكأنه أضاع الثلاثين عاما من حكمه في صناعة ولاء فارغ وانقلابي ضده.. وإن ظل حتى الساعات الأخيرة يراهن على سلطة البلطجية التي اعتقد أنها تمثل طابوره الخامس، للوقوف ضد ثوار ساحة التحرير من الشباب المصري، لكن البلطجية، وهي المقابل للطبقة الهجينة، بحسب التعبير الماركسي، لا يمكن التعويل عليها، فهذه الطبقة، وهي حاضرة تاريخيا في كل الثورات التي عرفها التاريخ، سهلة الانقلاب والتغيير، ويمكن أن تنقل ولاءها بين ساعة وأخرى، وبالتالي من الصعب الاستناد عليها أو الإحتماء بها.. وقد أخطأ حسني مبارك كثيرا في الرهان على هذه الفئة الاجتماعية من المصريين، لأنها عملت على تقويض آخر ما تبقى من كبريائه السياسي، وأظهرته في صورة الحاكم الدموي الذي قاد الصدام ضد الثوار ببلطجية يركبون البغال والجمال، ويدخلون ساحة التحرير كفاتحين أو غازين، فيما هو ينتظر متفرجا كيف ستنتهي أطوار المواجهة، بشكل لا يمكن أن يقبل به إلا حاكم فاسد أو مجنون، لكنه ينم أيضا عن تفكير رخيص، يعتبر الرئيس هو العاقل الوحيد في مصر، فيما الآخرون، بلا عقل ولا ضمير، وهو تفكير، أبان على أن الرئيس، لم يكن يحيط به من العقلاء إلا من يؤكدون له أن مصر لها رأس واحد هو رأس الرئيس، فيما باقي الشعب، منذور لقيادته وإتباعه، والموت من أجله، لذلك عزل الرئيس نفسه عن المعارضين والناقدين وفتح قلبه للأفاقين والمنافقين، فأغلقوا عليه الأبواب والنوافذ، ولم يتركوا منها إلا ما يؤكد له أن الشعب يهتف بحياته، ويفديه، ومستعد للموت من أجله..

رُوح… الله يَخْرب بيتك
حين أصبح صوت الشارع أقوى من ذي قبل، وصار موت الناس أرخص على الوطن أن يمعن في الذل،  استغرب الرئيس كيف لم يكن على علم بمآسي الشعب من قبل، لكن حين تناهى إليه الصراخ والبكاء،  والناس يتسابقون على الفداء، كان الوقت قد فات. وقد نشرت الصحف المصرية في الأيام الأولى من الثورة، هذا الحوار بين حسني مبارك، ورئيس الحكومة محمد نظيف، قال له الرئيس،
مبارك: ألم تقل لي إن الوضع تحت السيطرة؟
نظيف: نعم يا سيدي، أؤكد مجددا أنه تحت السيطرة.
مبارك: سيطرة إيه يا نظيف، الشعب يطالب بتنحيتي، وأنت تقول لي إن الوضع تحت السيطرة.
نظيف: سنسيطر على الوضع من جديد.
مبارك: لقد ثقت فيك كثيرا، روح من وشي، الله يخرب بيتك.
لكن صحف المعارضة، تقول إن الرئيس مبارك يريد بذلك، أن يرمي بالمسؤولية على الآخرين، فهو على علم، بحقيقة ما يجري في مصر، لكنه ظل يعتقد أن الشعب المصري لا يمكن له أن ينتفض أو يثور ضده.. وكانت الصحافة المصرية، تلتقي بالرئيس كل سنة، وتسأله في كل شيء، ويحاول أن يجيبها عن أشياء كثيرة، لكن مبارك، تخلص من هذا التقليد، وأحاط به جماعة من بارونات الصحافة يكتبون له ما يريده وما يسره، ولا يتعبه.. وهي الجماعة التي يطلق عليها في مصر، جماعة ” لاتزعجوا الرئيس”.. التي ساعدت الرئيس على الدخول في سبات، والطمأنينة والغيبوبة..

مسرح الممثل الواحد
طالب حسني مبارك، أن يحجبوا عنه ما يقلقه وينغص حكمه، فزادوا عن ذلك وحجبوا عنه كل شيء، ورُفع الرئيس من مرتبة الحاكم الذي يناقش ويحاور، إلى منزلة الطاغية الذي يأمر، وعلى الآخرين أن ينفذوا، ويزيدوا من عندياتهم، وهو ما كرس حكم الطاغي والباغي والمستأسد، الذي لا يريد لغير رأيه أن يكون، فكرس منطق التعليمات والتوجيهات الرئاسية، وهو سلوك أضر كثيرا بالأوضاع في مصر، إذ لا يمكن لأي رئيس أو زعيم كيفما كانت قدراته أن يحكم لوحده بلادا في هذا العصر، ولم يتوفر لأي حاكم أن يكون العقل والأطراف، والأوامر والمعاول، والأسباب والأسماء، أن يكون الفنان واللوحة والنص والمسرحية، والممثل الذي يبدأ من النهاية ويطلب من المتفرجين أن يستوعبوا المسرحية.. وهو البطل والنص ومخرج المسرحية.
والذين عاشوا في سنوات مصر الحسنية، عاينوا كيف تمكن الرئيس من القضاء على الأحزاب، ونخْرها وإِفراغها، ثم غَسَل يديه منها واستراح، فهذه الأحزاب التي كانت ترهبه بمطالبها لم تعد أكثر من دكاكين متهالكة مُشَرَّعة وبلا مفتاح، وهي التي كانت مُؤهلة بإحراج الرئيس، أو الضغط عليه.. لكن الآن، ظهر ما لم يكن في حسبان الرئيس.. جيل جديد من المصريين، لا يعرف النظريات السياسية، لا يهمه أن يقرأ عن الليبرالية أو يتمكن من تفكيك طلاسم الاشتراكية، أو يكون على معرفة بالماركسية والماوية والشي غيفارية، لا يهمه أن تكون الثورة المصرية مبنية على مبادئ وتوابث أو برامج سياسية، بل لا يهمه أن تصبح مصر على فراغ بعد الثورة… فقط، أن يتنحى الرئيس مبارك عن السلطة، وكل غد لناظره قريب.
كانوا يقولون عنه إنه جيل حسني مبارك، وهو الجيل  الأعمى الذي لا يعرف الماضي، لم يتعرف على الرئيس عبد الناصر، ولا سمع عن ثورة الضباط الأحرار، ولا تهمه بطولاتها وإخفاقاتها.. وهو جيل “طاي باس”، الذي لا يعرف كيف يصوب حزام سرواله، وهو جيل “إدَّحْ إدَّحْ انبوه”.. لكنه  أيضا، الجيل الذي لم يفطن مبارك له، فكان أعمى وأبصر، وقرر أن يثور على الرئيس، فقرر وانتصر..
لقد أشعل المظاهرات، وتصرف كمن يقود دراجة بأقصى سرعة، فنجح في أول يوم، بعد أن تمكن من انتزاع عدم التوريث، في أول خطاب للرئيس مبارك، ثم إلغاء الحكومة، ودفع مبارك، إلى إطلاق بلطجيته، للتصدي لهم في ساحة التحرير بالقاهرة.. وبعد إخفاق الرئيس في معركة “الشماكرية”، انتزعوا منه التخلي عن حاشيته بدءا من ابنه جمال مبارك، ومنظر الحزب الوطني الديمقراطي أحمد عز.. وفي مرحلة أخرى تمكنوا من إحراق العديد من مقرات الحزب الحاكم.. وكأن الأمر يتعلق بالإجهاز على مقار القيادات الحاكمة، والتأكيد أن قلاع الحكم بارت وسقطت..
ولم يجد الرئيس من ملجأ سوى المؤسسة العسكرية، التي يدين لها ببقائه ثلاثة عقود في الحكم، ثم قدم تنازلا آخر بعد أن نصب الجنرال عمر سليمان رئيس المخابرات المصرية في منصب نائب الرئيس، وهي تنازل لا يقاس إلا بمعجزة، ظل مبارك يحاربها منذ أن  تمكن من تنصيب نفسه رئيسا لمصر بعد اغتيال سلفه أنوار السادات. لكن مبارك، كان يعتقد أن تنازلاته ستكبح جموح الشباب، وستعيدهم إلى بيوتهم، لكن على العكس من ذلك، زادتهم إصرارا على تنحي الرئيس، فلم يجد مبارك بدا من تعيين حكومة جديدة باسم العسكري أحمد شفيق، لكن هذه الخطوة أيضا لم تحظ بقبول الثائرين في ساحة التحرير وغيرها من المدن المصرية، فانتقلت المطالب من “الشعب يطالب بتنحي الرئيس”، إلى “الشعب أطاح بالرئيس”.. لكن مبارك، ألح إلحاحا، في خطابه الثاني، على أنه سيكمل مهمته الرئاسية المتبقية، “ولو طارت معزة”، أولا حتى لا يحدث فراغ في السلطة وثانيا حتى لا تحدث فوضى، كما قال لمجلة النيوزويك، ثم طلب نائب الرئيس الحوار مع أحزاب المعارضة، لكن الأحزاب نفسها طالبت بتنحية مبارك.. وكأن النظام ما إن يقدم على خطوة حتى يجد الشارع قد تجاوزها إلى مطلب آخر.. وقد سارت الأمور على هذا النحو إلى حين طلع نائب الرئيس عمر سليمان، في التلفزيون المصري، ليتلي بصوت باك، بلاغ تنحي الرئيس مبارك عن السلطة، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية بإدارة شؤون البلاد..

السلطة هي الهواء
والرئيس حسني مبارك، ربما فكر في كل شيء إلا أن يتنحى عن السلطة بهذه الطريقة المكرهة والمذلة، وقبل ذلك، كان العارفون به يقولون إن الرئيس لا يمكن له أن يكون خارج السلطة،  وقد وجد صعوبة كبيرة في التنحي عن رئاسة الحزب الوطني الحاكم، فكيف به يتنحى عن رئاسة البلاد؟..  
فقبل أن يعاد انتخابه رئيسا للحزب الوطني الحاكم في دورته التاسعة، في جلسة قيل إنها استغرقت أطول مدة لانتخاب رئيس حزب، قيل إن الرجل سيعترض هذه المرة، وسيقول أمام قيادات الحزب الوطني، « أيها البهوات، هذه المرة المعركة ليست معركتي، فقد رضيت بالانسحاب، وسأترك قيادة الحزب، لمن استطاع إليها سبيلا».. لكن مبارك الذي يقال إن السلطة هي الهواء الذي يملأ به رئتيه، يصعب عليه أن «يخش» في بيته، ويبتعد عنها، أو يعيش مواطنا أكبر من السلطة..
وقد استغرق انتخاب الرئيس أقل من ساعة، وهي مدة لم تخصص للمنافسة، لأنه لم يكن هنالك منافس للرئيس، ولا لعد وحساب الأصوات، لأن كل الأصوات التي حضرت، صوتت لفائدة الرئيس.. لكن، كان لابد أن يدرج الحزب، المدة الطويلة لانتخاب الرئيس، ضمن صكوك، ما يمكن أن يطلق عليه شكليا «انتخاب رئاسة الحزب».. ثم يليه بعد ذلك تصفيق كبار شخصيات ومسؤولي الحزب، ثم كلماتهم العصماء بمناسبة هذه اللحظة التاريخية في حياة الحزب، وأهم منها في حياة الرئيس..
وقال صفوت الشريف الأمين العام للحزب الوطني، “لقد اخترناه وانتخبناه لرجاحة الفكر وحكمة ووطنية القرار، ولإجماع الشعب الذي أعطاه الثقة وولاه أمره في أول انتخابات رئاسية تنافسية في تاريخ مصر.. وانتخبناك يا سيادة الرئيس لأنك الربان صمام الأمان ورجل الدولة القوي القائد القادر علي قيادة حزبنا لتحقيق النهضة واستكمال مسيرة التقدم لمصر كلها‏”.
وكان لابد أن يقال مثل هذا الكلام في رئيس، قيل إنه انتخب بشكل ديمقراطي، في أجواء لا تؤمن بالديمقراطية، فقد كان على الرئيس أن يترشح بمفرده، وأن يصوت عليه بالإجماع، وأن ُيقبَل ملكا للحزب الوطني الحاكم، وهذه هي الديمقراطية، أما الاعتراض على ذلك، فمجرد فهلوة، واستهبال وسلوك عبيط.
ولأن الرئيس يبقى رئيسا في الحزب، ورئيسا للجمهورية، سنوات أخرى، أو مدى الحياة، حسب قاعدة الحكم العربية، فإن الرئيس مبارك، وعندما سئل عن استعداده لمغادرة السلطة، قال إن القرار ليس بيده، لكن الذين كانوا يحلمون بتخليه عن السلطة فيقولون إن كل الشدائد التي ألمت بمصر،  تمت على يديه، ووفق مواقفه واختياراته السياسية، ولم تتغير هذه الصورة منذ أن أصبح رئيسا لبلاده في 14 أكتوبر 1981، ولم تتغير إلى أن توقفت عقارب ساعة حكمه في ساحة التحرير،  حين أصبح يوم الحادي عشر فبراير نهاية الطاغية حسني مبارك، الذي حكم مصر ثلاثين عاما.

مصطفى الزارعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى