< د. خالد الحري ستمر سنوات وعقود، كي تستوعب "جمهورية" ماكرون أن المياه مرت بغزارة تحت الجسور، والتغييرات في الدول والشعوب والمجتمعات حتمية تاريخية، وعصور الجور والوصاية والاحتلال المقيت إلى زوال، لا محالة، والأمم الشريفة والعريقة، مهما طال الزمان، ستنهض وتستجمع قواها وتستمر. ما يفعله الرئيس الفرنسي من أفعال وسلوكات وتصرفات، تنتمي إلى الطفولة السياسية، لا تؤكد أنه لم يفهم هذه الأشياء، بعضها أو كلها، بل ستزيده عزلة وسط الفرنسيين ونخبه، وبين أعضاء حكومته وائتلافه، الذين ينظرون إليه، اليوم، باعتباره "قائدا" فاقدا للدهاء والذكاء والرزانة المطلوبة في التعاطي مع ملفات طارئة في السياسة الخارجية، خصوصا تجاه دول جنوب حوض البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا. وبسبب هذا النزق، تواصل فرنسا النزول في سلم الاندحار السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والعسكري، وحتى الأخلاقي، حين يسمح بعض الإعلام (الموجه من غرف الأجهزة والاستخبارات) لنفسه، بالإيغال في الجرح المغربي المتفجر، منذ أكثر من أسبوع، في جبال الأطلس الكبير. لقد أظهرت فرنسا الرسمية أسوأ ما فيها، في هذه الفترة العصيبة التي يمر منها المغرب، وأدى ماكرون دور المايسترو، الذي يضبط جوقة الحقد والكراهية على إيقاعات الكراهية والتشفي من المفجوعين والمكلومين والموتى والمصابين. وفي خضم هذا الغناء الحاقد، اعتقد "السيد" ماكرون أن البلد انهارت كليا، ولم يعد فيها ملك ولا حكومة ولا قيادة، فانبرى إلى مخاطبة الشعب المغربي من ممر بقصر الإليزي وقوفا، دون أدنى احترام وتقدير، وبعجرفة قل مثيلها، كأنه ينصب نفسه "مقيما عاما" على البلد، تمجيدا لأجداده السابقين، من المحتلين والمغتصبين والمجرمين. وهكذا، وكلما تحرك ماكرون هذه الأيام، كلما كسر مزيدا من القلل، تماما مثلما يفعل الفيل في محل لبيع الخزف، مؤكدا، في كل مرة، أنه أبعد عن فهم بلد عربي وأمازيغي وإفريقي ومتوسطي وضع حكاية الاستعمار وراءه إلى غير رجعة، وقرر المضي في مشروعه الوطني المستقل ذي السيادة المطلقة. وأكثر ما يزعج فرنسا، اليوم، وتترجمه بأساليب مختلفة، هو هذا المشروع نفسه الذي بدأ في التبلور في استقلال عن الجميع، إذ لا يتخيل سكان الإليزي أن يفكر المغرب خارج الصندوق، بل يريدونه أن يذل نفسه، ويتسول ويطلب العون، كما تفعل دول أخرى. ولهذا بالضبط، يفعل ماكرون المستحيل من أجل لقاء جلالة الملك، بل تختلق حكومته الأكاذيب للضغط في هذا الاتجاه، كما فعلت وزيرة الخارجية افتراء، حين ادعت أن الرئيس الفرنسي سيلتقي العاهل المغربي بدعوة من جلالة الملك، ما نفاه مصدر مغربي رسمي مأذون جملة وتفصيلا. هذه الصبيانيات والبكائيات لن تزيد إلا تقزيما لصورة بلد "أوربي"، أمام أبنائه، وأمام الدول الأخرى، أما المغرب فلن ينال منه ذلك قيد أنملة. وليس ببعض الادعاءات والربورتاجات الصحافية المخدومة، سينهار المغرب واقتصاد المغرب وسياحة المغرب، كما تتمنى فرنسا اليوم قبل الغد. فقد تنهار الحيطان والجدران والجبال. لكن لن يسقط الرجال.