من جحيم أوفقير إلى زنازين البركاوية بالجزائر للذاكرة فقط، سنحاول تسليط الضوء على بعض المتغيرات التي مست حقل الممارسة السياسية والجمعوية بفرنسا، بعد 1990، دون الدخول في تحليل العلاقات السياسية المغربية الفرنسية وتعقد تداخلها خاصة على المستوى الرسمي وانعكاس ذلك على الحركة التقدمية بقدر ما سنرصد الموقع الذي كانت تحتله المعارضة المغربية بالخارج. إن الوجود الاستثنائي للجالية المغربية بفرنسا بامتدادها التاريخي، أسهم في انتعاش المعارضة المغربية التي تمثلت في الامتداد التنظيمي لها عبر مجموع الأقاليم الفرنسية، ما قوى إشعاعها وانعكس على الصعيد الأوربي.ففي كل منطقة توجد جالية طلابية وعمالية وفي قلبها المكونات السياسية التي أوجدت تنظيمات جماهيرية طلابية وعمالية (حزب القوات الشعبية -منظمة 23 مارس -منظمة إلى الأمام- حزب التقدم والاشتراكية- الاتحاد الوطني لطلبة المغرب -جمعية المغاربة بفرنسا).وكان هناك تفاعل بين هذه التنظيمات، ما أعطاها قوة ودينامية، إذ كانت تشكل رافدا أساسيا لتنظيمات اليسار المغربي، ودعامة أساسية لما يجري في الداخل، بل وأحيانا وكما هو حال حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، أصبح الخارج العصب الرئيسي أثناء فترات القمع المتوالية ، علاوة على أن المهاجرين كانوا يندمجون ويعتبرون أنفسهم معنيين بمسيرة هذه التنظيمات. شكلت عطل الأسبوع فرصة لاحتكاك الطلاب بالعمال مع تقوية الاستقطاب للعمل الجمعوي خاصة جمعية المغاربة بفرنسا، ثم فيما بعد جمعية العمال المغاربة بفرنسا المنشقة عنها.كان لحزب القوات الشعبية مداومون للعمل الحزبي وللعمل الجمعوي، وكنت ضمنهم، بحيث كانت المهام النضالية شغلي الشاغل، وأعيش يوميا على أوتار ما يجري في أرض الوطن.خلال التسعينات ستتغير الأمور تغيرا جوهريا. تغيير في المضامين والأشكال وسيكون للتطورات السياسية في المغرب انعكاسها القوي وللسياسة الاشتراكية الفرنسية تأثيرها الفعال، ولتطور الهجرة أثرها الأكبر، إضافة إلى انعكاسات حرب الخليج وماتلاها على أوضاع المهاجرين بأروبا، خاصة مع صعود بعض أحزاب اليمين.ستعرف مرحلة التسعينات عودة العديد من المنفيين إلى بالمغرب ضمنهم أطر وكوادر وستدخل بعض الأحزاب في ديناميكية جديدة بانخراطها السياسي في مسلسل التوافق مع النظام، ليصبح الخارج بالنسبة إليها واجهة ثانوية قد تنحصر في الإعلام والعلاقات الخارجية. سيصبح حزب الطليعة أقوى تنظيم في الخارج على الصعيد الأوربي، خاصة بعد اندماج مجموعة من 23 مارس في إطاره. ولكن لا آفاق استقطابية له نظرا للأوضاع الجديدة في الهجرة.سيكون اليسار الجديد بمختلف مشاربه قوة حقيقية بفضل أطره المتمرسة في العمل السياسي وذات التجربة الطويلة والرائدة في العمل الجمعوي، لكن لا استقطابات جديدة.أما عن تأثير سياسة فرنسا الاشتراكية في الهجرة، وبالتالي العمل الجمعوي، فيتمثل في أن الهاجس الذي أصبح مسيطرا في هذه الفترة هو سعي فرنسا للإدماج الفعلي للمهاجرين في المجتمع الفرنسي، وستسخر أموالا طائلة لاحتواء جمعيات الهجرة، ليصبح هم الجمعيات ضمان الحصول على التمويل وبذلك ينتهي زمن التطوع النضالي في الميدان الجمعوي، لتحل محله مفاهيم جديدة.الإضافة النضالية النوعية التي تحققت في المجال الجمعوي والساحة المغربية تجسدت في اهتمام نوعي خاص بمجال حقوق الإنسان عن طريق جمعية لا صدوم وجمعية خاصة بالمنفيين.الفصل الصعبالهروب من المغرب كان هروبا من البطش، ولم يكن هروبا من النضال، والإصرار عليه هو الذي قادني إلى الجزائر، فكانت حالة الظلم حالتين، سجن مع إقامة جبرية، ومنع من العمل. في فرنسا أخذ المنفى صيغته الرسمية بحصولي على حق اللجوء السياسي.. لكن طعم الإعدام ظل مغصه في أحشائي. إعدام حقي في الحياة إلى جانب أسرتي، موت مؤجل وقعه إدريس البصري بمخالبه ليمنع عن بناتي حق الأبوة وأنا على قيد الحياة.في باريس سدت منافذ اللقاء ..لا سكن قار، لا عمل يتجاوب و سن هذا الكهل، وحجز الأمن العسكري لشهاداتي الدراسية حرمني من فتح أي أفق. غربة قسرية بلا موارد كافية للعيش، فبالأحرى تمويل عائلة في المغرب ..ما أتقاسم معها إلا شظف العيش كل بطريقته، فكيف التفكير في حل المشاكل العائلية بواسطة التجمع العائلي.حياة العائلة تطورت في اتجاه أكثر مأساوية خاصة بعد رحيل رمز صمودها المرحوم المقاوم الحسين الخضار.وأنا أرصد فصول محنة عائلتي الصغرى، والتي لم تعد جزءا من تاريخي الشخصي فإنه لا يمكن استثناء محنة عائلتي الكبرى. منع العائلة الكبرى من حق البنوة. عائلتي ذات الأصول الثقافية العلمية بسوس، شيدت مدارس عتيقة يوم كانت المنبع الوحيد للثقافة العربية الإسلامية من مدرسة سيدي مزال ابن هارون إلى مدرسة المعذر إلى مدرسة بونعان، يكفي مدرسة بونعان التي أسسها الجد أنها خرجت علماء وأدباء وشعراء أجلاء نذكر منهم محمد المختار السوسي والحسن البونعماني كما تخرج منها العديد من علماء الصحراء إذ كان جدنا محمد بن مسعود يدرس الفترة الأولى بالشلحة والفترة الثانية باللغة العربية الفصحى. ليستفيد الطلبة الصحراويون وهذا سر القصائد المتبادلة بينه وبين الصحراويين من أمثال الشيخ ماء العينين.تحولت الصداقة بين عائلتنا والعائلات العلمية بسوس إلى علاقة عائلية واسعة خاصة عن طريق المصاهرة، وهكذا سيصبح المشرفون على العديد من المدارس من أصهارنا يشكلون جزءا من عائلتنا الكبرى مدرسة ادوز الشيخ سيدي بوعبدلي رسموكة...إلخوالدي مسعود بن محمد إذن هو سليل هذه الأسرة، لا علاقة له بمجال السياسة...بالمعنى الضيق للكلمة..كيف سيتعايش مع ابن كان أمله في الحياة الخاصة عيشا كريما ونظيفا يسعى لامتلاك ناصية العلم والمعرفة لكن الوضع العام غير السليم دفعه إلى المساهمة في تصحيحه بشكل حضاري فجوبه بالقمع ليندمج حتى النخاع في الحياة السياسية لتأكيد قناعات ذهب إليها ولم تأت إليه.والدتي فاطمة بن مبارك بنت العلامة مبارك البعقيلي وأخت رئيس محكمة الاستئناف سابقا بأكادير عالم جليل ترك عدة مؤلفات ومخطوطات في الشريعة والتاريخ.والدتي. محظوظة لأنها تقرأ وتكتب. وكانت تساعدني وأحضر معها حلقات مع نساء القرية تتلو عليهن مما تيسر من دفاترها المخطوطة..كيف ستتعايش بدورها مع ابن يغادرها وهو في عنفوان الشباب...من مراكش إلى البيضاء إلى المنفى السحيق...وستفارق الحياة دون أن يتمتع بمعايشتها ليلتقي خبر موتها المفجع في المنفى...والدي رحمه الله لم يتمكن من مقابلتي من 1968 وعمل كل ما في استطاعته للحصول على جواز سفر، ولم يتمكن من الحصول عليه إلا حوالي 1980 حيث سيتقابل معي في باريس. للمرة الأولى ويعاود التجربة وقد بلغ من الكبر عتيا بعد حوالي عام، ولن تمر إلا فترة وجيزة حتى بفارق الحياة دون إن ننعم جميعا باجتماع الشمل. أذكر بالمناسبة إن إخواني لم أقابلهم منذ مغادرتي المغرب، بل منهم من ازداد ولم أحظ بالتعارف والتعرف عليه إلا بعد عودتي من المنفى.سأفقد أختي ربيعة وأبناء أعمامي العلماء والشعراء، وفي مقدمتهم الشاعر الحسن البونعماني. إعداد: يوسف الساكت