تحين فرصة للإجهاز على غريمه بسكين في أحيان كثيرة لا يقدر الشباب ولا يعطون أهمية لتصريحاتهم أو لتعليقاتهم على بعض الأحداث أو التصرفات، ليجدوا أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه، نتيجة ردود فعل الذين يتعرضون لانتقاداتهم أو تنمرهم أو استهزائهم بهم. ولعل ما وقع في أحد الدواوير التابعة لدكالة، يرتبط بهذه القضية التي ذهب ضحيتها شاب في مقتبل العمر. كان حميد يزور البادية كل سنة صحبة عائلته المتحدرة من بادية دكالة، مند كان عمره لا يتجاوز السنتين، إذ كان والده يزور البلدة بانتظام نهاية السنة الدراسة وهي فرصة كان يطلع فيها على سير أمور الأرض التي تركها عهدة في عنق أخيه، يسهر عليها ويقوم بفلاحتها وكان الأطفال الصغار أيضا يجدونها فرصة ذهبية للهو واللعب مع الدواب والدجاج وأكل التين والبطيخ الذي تشتهر به المنطقة، وكان أطفال المدينة يندمجون بسرعة مع الوسط القروي نظرا لأحاديث والدهم المستمرة عن الأرض والفلاحة والحيوانات وكانوا يخرجون إلى الحقل صحبة أقرانهم يشاركونهم جمع الحبوب ورعى الأبقار والأغنام. حميد كان واحدا من هؤلاء الأطفال الصغار. كان وسيما ووديعا إلى حد السذاجة، يصدق كل ما يحكى له ويفعل كل ما يطلب منه إلى درجة أن أطفال البادية كانوا يبحثون له عن المقالب والمطبات عنوة، وكانوا يتفكهون جراء ذلك. وغير بعيد من الدوار،كان سعيد، الذي يكبر حميد بسنتين، يرافقه في خرجاته واكتشافاته للمنطقة. وكان شغب الطفولة وحب الاستطلاع وتجريب الأشياء يدفعه إلى ممارسة بعض الأشياء على الضيف وإن كان لا يقصد فعلها حقيقة. فشل حميد في الدراسة وتوقف مبكرا عنها وحاول ولوج عدة مهن، وتعلم فنون المطالة، لكنها لم تكن تدر عليه مالا كافيا. وزاره ابن خالته، وأخبره أنه كان ضمن جلسة سمر وسمع سعيدا يتفوه بكلام سفيه في حقه وسأله عن مدى حقيقته. لم يجبه إن سلبا أو إيجابا وظل السؤال معلقا في ذهنه يلح عليه وتسبب له في نكء جرح قديم. وساءت أحواله النفسية وسط الحي ولم يعد يخرج إلا قليلا وانقطع عن العمل، وفوجئ الجميع بهذا التحول المفاجئ. حل حميد رفقة والديه بالبادية لحضور حفل خطوبة ابنة خالته، وتناول طعام الفطور في اليوم الأول متأخرا وغادر المنزل وتاه وسط الحقول التي مازالت مملوءة بالقمح والذرة، وجانب الساقية، وقف يتأمل انسياب المياه وذهنه شارد، ومر شريط أيامه الأولى بالبادية وتذكر الكلام الذي يروج في الجلسات المسائية. وفي المساء توجه نحو مكان العرس ووجد عددا من أبناء الدوار بصدد بناء الخيمة التي سوف تؤوي الزوار والمدعوين وكان سعيد موجودا هناك. وطلب أحد الشباب من حميد مساعدتهم، لكن سعيد طلب منهم إعفاءه لأنه لا يصلح لأي شيء، وعليه أن يكون وسط الفتيات فهو يشبههن إلى حد بعيد. وانفجر الحاضرون بالضحك، فيما نزلت تلك الضحكات على رأس حميد كجبل، سيما أنه تذكر ما وصله من أخبار تتهمه بأشياء وتتحدث عن أفعال وقعت له في الصغر. واقترب حميد من سعيد وجذبه من كتفه ووجه له طعنة في صدره بسكين من الحجم الكبير تاركا وراءه فتحة كبيرة وصلت إلى القلب، ثم استل السكين ببرودة ونشوة المنتقم الذي أزاح عنه ثقلا وحملا كبيرا. ظل الضحية واقفا بضع ثوان، قبل أن يخر ساقطا منكفئا على وجهه. بهت الحاضرون وتجمعوا حوله، محاولين تقديم المساعدة له إلا أن الأجل وافاه بعد ذلك بقليل. ظل حميد هو الآخر واقفا حيث هو دون أن يهرب حاملا السكين في يده، ولم يعلم بهول ما قام به إلا بعد دقائق، عندما لم يتحرك الضحية من مكانه. أحمد ذو الرشاد (الجديدة)