fbpx
ملف الصباح

3 أسئلة : الحريات الفردية تحتاج نقاشا عميقا

سمير بودينار ألا تعتقد أن السلوك الذي تنهجه الدولة للتصدي لبعض المظاهر، من قبيل إحداث فرق أمنية خاصة لمحاربة الفساد، انتشرت حملاتها الأمنية وحصلت اعتقالات بموجبها، فيه نوع من العودة إلى مظاهر الرجعية والتشبث بها، فيما الدولة تشيد في مختلف المحافل الدولية بسيرها في طريق الحداثة واحترامها لمختلف المواثيق والمعاهدات الدولية؟
 أعتقد أنه موضوع مركب للغاية ، ولا يمكن تناوله انطلاقا من بعد واحد (الحقوقي مثلا..)، بل الانتباه إلى أبعاده الأخرى الاقتصادية والأمنية والسياسية والإعلامية خاصة المتصل بسمعة المغرب وصورته، وهي قضايا مهمة كذلك، فالأمر يتعلق حسب ما هو متاح من معطيات في وسائل الإعلام، فقط بفريق أمني نسائي واحد في مدينة مراكش، المدينة السياحية الهامة على الصعيد الوطني، والتي صنفت قبل أسابيع قليلة واحدة من أهم الوجهات السياحية في العالم (السادسة حسب تصنيف “Trip advisor” السياحي الأمريكي شهر أبريل الماضي)، وهي مكانة أصبحت تواجه تهديدا حقيقيا من خلال صورة المدينة كوجهة عالمية للسياحة الجنسية ودعارة الأطفال، وقدمت حولها برامج إعلامية صادمة في وسائل إعلام دولية، تبين أنها أصبحت مجال نشاط شبكات يسهم فيها حتى بعض المنتسبين إلى مهن أخرى، ومنها مهن نسائية (نقاشات الحناء، عاملات..) فضلا عن قاصرات يمتهن الدعارة، ويمارسن نشاطهن انطلاقا من الفنادق والمقاهي.. لكن هذا لا يعني التمييز ضد عموم النساء، فهناك أنواع أخرى من  الدعارة “الرجالية” ينبغي التعامل معها كذلك.
أما بالنسبة إلى البعد الثقافي للموضوع، فأعتقد أن الحداثة كمبدأ عام مفتوح على قراءات ومستويات متعددة قد يكون من أهم مقتضياتها تطوير المجال الحضري وبنيانه السياحية بشكل محترف يراعي حقوق القاصرين ويمنع استغلالهم جنسيا، وحقوق والنساء وكرامتهن ووضعيتهن في إطار اقتصاد السياحة.
 
ما السبب في رأيك لنهج مثل هذه السلوكات في هذه الفترة بالذات؟
 أولا لست هنا بصدد موقف من هذه السلوكات والإجراءات، سواء بالدفاع عنها أوضدها، ولا أعتقد أن هذا ممكن  لأننا لا نعرف تفاصيل قرار إحداثها وسياقه وأهدافه بدقة، ومعلوماتنا مصدرها ما نشرته وسائل الإعلام خصوصا، لكني لا أرى أن الموضوع يخرج عن سياق الإجراءات الخاصة بالمدن السياحية ونحن على مشارف مواسم العطل والسفر، كما هو الحال بالنسبة إلى مراكش، التي تزايد الحديث عنها كوجهة للسياحة الجنسية، أو لغيرها من المدن السياحية الأخرى التي قد تعرف الإجراءات نفسها ربما، لأنها تشهد المشكلات الاجتماعية ذاتها والانتهاكات الحقوقية الخاصة بالسياحة الجنسية، إذ صدرت تقارير ودراسات تصنف مدنا أخرى في هذا المجال كأكادير وطنجة التي صنفت في الرتبة السادسة عالميا حسب دراسة أعدت لصالح مجلة التايمز البريطانية وصدرت العام الماضي.
 
  ألا تمس مثل هذه الممارسات بمبدأ أو مطلب الحريات الفردية، الذي يزداد المدافعون عنه يوميا؟
 هذا أمر تحكم عليه الممارسة، لا بد من التأكيد على احترام القانون وأصل البراءة وحرية الناس في مجالهم الخاص، ولذلك فهذه الفرقة الأمنية باشرت حملاتها في الأماكن العمومية. أعتقد أنه في ما يخص الجانب القانوني المرتبط بالحريات الفردية من المهم التأكيد على أن القانون لا يعطي لأي جهة وصاية على الأخلاق الخاصة بالأفراد وحرياتهم الشخصية سواء في مجالهم الخاص أو حتى في المجال العام بما لا يصادم القانون والآداب والأخلاق العامة كما يحددها، وكما هو متعارف عليها في ثقافة المجتمع. وأن الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة بالحكمة واللين هي مهمات مؤسسات التربية، والوعاظ وخطباء المساجد وليس السلطات الأمنية. في المقابل، نحن مدعوون كذلك لمراعاة حق المجتمع، وتعبيراته من خلال احتجاجات السكان أنفسهم على بعض المظاهر التي أصبحوا يرون أنها تمس حقهم في المجال العام أولا وحقهم في بيئة السكن، ومتطلبات الطمأنينة وعدم الإزعاج، وتهدد أبناءهم القاصرين، وأعتقد أن هذه المطالب كانت موضوع نقاش سابق لمجلس جهة مراكش في إحدى دوراته السابقة ربما سنة 2012. فضلا عن ذلك من الملح اليوم في نظري انطلاق نقاش مجتمعي حول موضوع الحريات الفردية يستحضر كل الأبعاد السابقة الثقافية والاقتصادية والحقوقية، بما فيها صورة المغرب ونموذجه السياسي والثقافي والديني لإفريقيا مثلا…
سمير بودينار, أستاذ علم الاجتماعي السياسي ورئيس مركز الدراسات
والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة

أجرت الحوار: هجر المغلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى