fbpx
حوادث

أبناء مغتصبون … أمهات في الجحيم

حضور غريب لـ”مؤثرين” لتتبع قضية فتاة قاصر متهم أبوها باغتصابها

كان الخميس الماضي، يوما استثنائيا بمحكمة الاستئناف بفاس وخارج بنايتها. حضور مهم بداخلها لنساء مجروحات لاستباحة أجساد فلذات أكبادهن، يزداد كثافة خارجها لأخريات صاحبات قنوات وفدن من عدة مدن ليتقوتن بمأساة أسرة فككتها المصالح وهرولة أفرادها وراء “البوز” والربح المالي. والضحية فتاة دون سن الرشد، نهشت الألسن سمعتها وشرفها ومرغت كرامتها في الوحل، وحولتها مادة دسمة في قنوات تصريف الفضائح. الحضور لافت للانتباه على غير العادة، استقطبته قضيتها الغامضة المتهم فيها والدها بهتك عرضها، دون 10 أطفال يجترون لوحدهم مرارة وآلام اعتداءات جنسية رسمت ندوبا في أجسادهم ونفسيتهم، ولم تثر حقوقيين ومؤثرين لا تحركهم إلا رياح المصالح الشخصية والعدو وراء الربح من مختلف أنواع “السوشل ميديا”.

بدت الأجواء عادية، صباح الخميس داخل استئنافية فاس عكس خارجها. بالداخل والبهو نساء مهمومات مكلومات لما تعرض له صغارهن من الجنسين من فتك بأجسادهم. وبخارج البناية نساء “سوشل ميديا” يتهافتن على فتات “البوز” في قصة طفلة مهتوك عرضها في ظروف وحيثيات عائلتها وحدها الأعلم بها.
القاعة 2 احتضنت جلسات غرفة الجنايات الابتدائية. 47 ملفا مدرجا تكشف الارتفاع الملحوظ في القضايا الجنائية، كما في حضور كثيره نساء. أغلبهن كن مرفوقات بفلذات أكبادهن، هن وحدهن الأعلم بحجم ألم اكتوين به بعد استباحة ذئاب بشرية لأجساد صغارهن في ظروف اختلفت من حالة إلى أخرى.

وجع القلوب
سحنات نساء القاعة تفضح طبقاتهن الاجتماعية. من لباس أغلبهن تكتشف مظاهر البؤس ومحياهن يجهر بحاجتهن للأمان والإنصاف والعدل. أجسادهن ملتصقة ببعضها في حميمية تضامن يحتجنه في مثل حالاتهن. همساتهن مسموعة وانتباههن مركز على هيأة الحكم في انتظار سماع أسمائهن وأبنائهن أو بناتهن.
تختلف الأماكن المتحدرات منها، لكن الألم نفسه يوحدهن جميعا. حجم الحزن المعتصر لأفئدتهن وحدهن الأعلم به. لكل واحدة قصة تيه بحثا عن حق وحلم مغتصب كما أجساد فلذات أكبادهن. كلهن يمنين النفس بعقوبات رادعة لذئاب بشرية افترست أجسادا لم تنضج، ونهشت لحمها حية لتقتل فيها كرامة وشرفا موؤودين.
كانت شاردة لما سمعت القاضي ينطق باسمها. أمسكت يد ابنها الذي لم يكمل عقده الأول، وكأن خوفها عليه لا ينتهي. تقدما نحو منصة الرئاسة بخطوات متثاقلة كما وهما يغادران القاعة بعد تأجيل الملف إلى صباح 24 نونبر. من الشاشة الناقلة لاحت صورة هاتك عرضه، واقفا في قفص الاتهام بقاعة المواصلات بالسجن.

الحزن مشترك
وجع قلوب أمهات الأطفال ضحايا هتك العرض والاعتداءات الجنسية من غرباء وأقارب، قد تخفيه الملامح والوجوه الباسمة أحيانا ليس فقط بالقاعة، بل حتى في بهو الطابق الأول من المحكمة. هناك جلسن على كراس عتيقة متناثرة بكل الجنبات، وصغارهن فوق أرجلهن أو يلهون، في انتظار مناداة قاضي التحقيق عليهن.
الهدوء الحاجب لنار ملتهبة في أفئدتهن، والتوجس والتشبث بالأمل في الإنصاف، هواجس تسكنهن كما اللائي بالقاعة. جميعهن اكتوين بلهيب الاعتداء على أبنائهن جنسيا. الحزن قاسم مشترك، إلا في حالات قليلة كما فتاة موشكة على الرشد، جلست بجانب والدها وزوجته الثانية، في انتظار دخول مكتب القاضي.
هذه الفتاة ضحية صراع عائلي تؤدي ثمنه من سمعتها وراحتها النفسية، بعدما تحولت إلى مادة دسمة لقنوات تصريف الفضائح في “يوتوب”، تتنافس في كشف عورتها وعائلتها، وضعا تزكيه بنفسها بخرجاتها في فيديوهات مباشرة تكشف درجة دغدغة أعصابها ونفسيتها رغم التظاهر بعدم الاكتراث لوضع تؤدي ثمنه من راحتها.

سمعة مغتصبة
الأب بنى عشا زوجيا جديدا بعد انفصاله عن أمها. حضن ابنتيه والأم اتهمته بهتك عرض إحداهما الأكبر. الضحية تنكر فتك أبيها بجسدها، وتكن كراهية غريبة لأمها تجهر بها في ما تنشره بقناتها. إنها الآن ضحية نيران صديقة في قصة تفكك عائلي تؤدي ثمنه من راحتها النفسية وسمعتها المشوهة في قنوات متنافسة.
من هتك عرضها؟. سؤال لا أحد يملك جوابا مقنعا وشافيا عنه، سواها. تبرئ والدها وجرت شابا للمساءلة والتحقيق. لكن الحقيقة شبه غائبة ليس فقط بخصوص الفاعل، بل حتى زمن الهتك والفض. وأكيد أن قاضي التحقيق سيكتشفها بما يتوفر له من وسائل ويقظة، كما سر صمت الجميع إلى ما بعد انفصال الزوجين.
وحدها الأم والأب وابنتهما الأعلم بما تعرضت إليه، وبحجم معاناتها للضجة الإعلامية المرافقة لمجريات التحقيق في ملفها المدرج، الخميس الماضي، والمؤجل لتاريخ لاحق بعد مدة فتح فيها مكتب القاضي المكلف بالبت فيه، في وجه الأب المتهم والابنة الضحية وشاب أحضر من بوركايز وأرجع إليه في انتظار جلسة جديدة للتحقيق.

مأساة للتقوت
مرت نحو ساعة على مغادرة المعنيين بالملف للمحكمة التي انفض جمع كبير من حضورها بمن فيهم المكتويات بنار الاعتداء الجنسي على فلذات أكبادهن. لكن الساحة المقابلة لبابها الخارجي، ظلت مسرحا لاستعراض عضلات “اليوتوبورز” من الجنسين، توافدوا من كل المدن للتقوت من مأساة أسرة فككتها المصالح.
كل الوجوه خارج المحكمة باسمة منشرحة ل”اللايفات” والفيديوهات الطامعة في تتبع وإعجاب وتبادل وتفاعل مضاعف لتحقيق ربح مالي أكبر، عكس تلك داخلها كئيبة وحزينة حالمة بعدل ينصفها ويذوب ولو القليل من مأساتها، ممنية النفس بدعم حقوقي لقضايا اعتداءات جنسية متكررة، غاب لما حضرت المنافع والمصالح.

حميد الأبيض (فاس)


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى