fbpx
حوادث

سطوة “البارونات”… هيبة الأمن في خطر

اختطافات وحصص تعذيب واعتداءات جنسية وتصفية تكشف خطورة “بزناسة” يعيثون فسادا

طالما ترسخت في أذهان الناس قصص مروعة لعصابات المخدرات نتيجة مشاهد مرعبة لأفلام هوليودية أو ما نطالعه من أخبار من هنا وهناك، حول أحداث دامية خلفتها مافيا دولية أخطرها المافيا الإيطالية التي تتعقب أعضاءها المتمردين أو منافسيها لتصفيتهم، إلا أنه لم يكن المغاربة يظنون أنه سيأتي يوم يشهدون فيه وقائع إجرامية بعدد من المدن والأقاليم سواء بالمناطق الحضرية أو القروية، أبطالها جانحون وجناة من ذوي السوابق انتقلوا من الاتجار في الممنوعات إلى الانتظام في عصابات ترتكب أعمالا وحشية، يتم فيها استباحة أمن وشرف وحياة كل من يقلق راحتها أو يحاول إعاقة عملياتها في «التبزنيس» وتخريب العقول.
إنجاز : محمد بها

واقعة اختطاف عصابة مخدرات لزبونها وتعذيبه ومحاولة قتله بحد السوالم، شكلت حدث هذا الأسبوع بعد أن تحولت إلى قضية رأي عام وطني، نظرا للأعمال الوحشية المرتكبة في حق الضحية والوجه المرعب لـ”بزناسة» تحولوا إلى فتوات لا يقيمون أي اعتبار للشرع والقانون، بل أماطت اللثام عن ممارساتهم المُرعبة، كيف أصبحوا يهددون الأمن والنظام العامين والتجرؤ على المساس بهيبة الأمن.
جريمة عصابة ترويج المخدرات بالسوالم ونواحيها، كانت النقطة التي أفاضت الكأس في قضية عصابات المخدرات، بعد افتضاح جرائمها المروعة التي طالت أحد الشباب الذي تحول من زبون إلى ضحية كاد يفقد حياته على يد جناة من ذوي السوابق يعرفون بعدوانيتهم وبطشهم.
هي فصول مرعبة عاشها الشاب العشريني، لا يمكن أن يقوم بها إنسان يملك ذرة عقل أو وخزة ضمير أو حتى المشاغبين من المراهقين أو الجانحين من “ولاد اليوم”، انطلقت بعد أن حل الضحية بإيعاز من صديقه وشخصين آخرين بمنطقة حد السوالم، من أجل اقتناء مخدر “الحشيش”، قبل أن يجد نفسه محاصرا وسط فتوات انهالوا عليه بالضرب والجرح باستعمال السيوف، دون أن ينتهي الأمر عند هذا الحد، فبعد اختطافه من قبل عصابة الاتجار في المخدرات تم اقتياده على متن سيارة في وقت متأخر من الليل إلى مقبرة، بعد تمكن أصدقائه من الفرار وتركه وحيدا بين أيدي جانحين شرعوا في تعنيفه بأبشع الطرق.
تمر الدقائق ويزداد معها الموقف صعوبة بالنسبة إلى الضحية، الذي استشعر حجم المأساة التي حلت به وعالم الموت الذي دخله بقدميه في لحظة طيش شبابي، وهو ما جعله يذرف الدموع ويبكي بشكل هستيري يتوسل المعتدين إطلاق سراحه، موضحا لهم أنه لم يأت لإثارة المشاكل وإنما رغبة في اقتناء مخدر يروجونه، إلا أن زعيم العصابة ومساعده كان لهما رأي آخر بعدما قررا مواصلة التنكيل به على إيقاع كلمات مرعبة “صحابك هربو نتا غادي تخلص فبلاصتهم، اليوم غادي ندفنوك كما درنا لياسين”، حسب قول الضحية.
وبعدما أذاق أفراد العصابة الضحية أصنافا من التعنيف والاعتداء الجسدي ببتر يده بعد تقطيعها لعدة أطراف وإصابة ركبته إصابة خطيرة وطعن رأسه وأذنه، ختموا حصص تعذيبه بوشم حرف (أ) على وجهه بواسطة السلاح الأبيض، ليقرروا في نهاية المطاف رميه بمنطقة خلاء مضرجا وسط دمائه، قبل العثور عليه مرميا على حافة الطريق من قبل المارة.
ولعل ما يكشف الوجه الإجرامي للعصابة المفككة، إصرار عناصرها على تصفية الضحية بعد أن تم نقله من قبل سيارة إسعاف إلى مستشفى دار بوعزة، إذ قرروا اللحاق به لتنفيذ مخطط الإجهاز عليه خوفا من كشف هويتهم وافتضاح أمرهم، قبل أن يتم إفشال مخططهم من قبل مواطنين تصدوا لهم لحماية الضحية، ولتتفجر الواقعة وتصير قضية رأي عام وطني استنفرت مصالح الدرك الملكي بحد السوالم التي تمكنت إثر جهود مضنية من التوصل إلى هوية المشتبه فيهم وإيقاف زعيم التنظيم الإجرامي ومساعده وإحالتهما على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بسطات لخطورة جرائمهما التي تكتسي طابعا جنائيا، بينما مازالت الأبحاث جارية لاعتقال كافة المتورطين في القضية.

اعتداء جنسي يستهدف الرجال
من بين الأحداث المأساوية التي تكشف خطورة العصابات المتاجرة في المخدرات، ووحشية أفرادها، الجريمة التي اهتز على وقعها دوار الرواجعة بجماعة سيدي حجاج واد حصار إقليم مديونة، قبل أشهر وتمثلت في اختطاف واغتصاب جماعي لشاب عشريني، على يد عصابة إجرامية تتكون من سبعة أشخاص.
وتتكون العصابة من فتوات يلقبون ب”سرابتة»، والمعروفين بعدوانيتهم وسط سكان المنطقة، اختطفوا الضحية بعد نصب كمين محكم له عن طريق المناداة عليه من خلف الباب، قبل أن يباغته الجناة بالضرب وتكبيله.
وتم اقتياد الضحية على متن سيارة رباعية الدفع، إلى ضيعة بمنطقة أولاد زيان يشتبه في تحويلها مسرحا لعملياتهم الإجرامية، ليقوموا بتعنيفه، وتعريضه لمختلف أصناف التعذيب الوحشي على شاكلة أفلام الرعب، وكانوا يرغبون في الاحتفاظ به وسط آلة للتبريد حتى يموت متجمدا، قبل أن يقرروا التناوب على اغتصابه، ثم ختموا حصص تعذيبه بإدخال عصا في دبره، ليرجعوه بعد ذلك إلى مديونة ويلقوا به قرب مسكن أسرته.
وتسببت العصابة للضحية في مضاعفات صحية ونفسية، إذ لم يعد يقوى على المشي والتبول، إضافة إلى آلام حادة في الرأس والعمود الفقري، واكتئاب حاد يدفعه للتفكير في الانتحار نتيجة “الحكرة» والشعور بالعار لهتك عرضه، وهي الواقعة التي استنفرت مصالح الدرك الملكي للقيام بأبحاث قضائية تحت إشراف النيابة العامة.
وتسببت الواقعة الخطيرة في احتقان وسط سكان مديونة الذين انتقدوا التسيب الذي تعيشه المنطقة، التي صارت مسرحا لعدد من الجرائم، آخرها جريمة قتل بالدهس بسيارة لمساعد تاجر للمخدرات، وكذا تصفية الحسابات بين أربع عصابات لترويج المخدرات تتنافس في ما بينها.

استهداف الشرطة والدرك
استهداف الحياة من قبل عصابات المخدرات لم يعد منحصرا في فئة خصومهم أو المواطنين المغلوبين على أمرهم، بل بلغت الجرأة ب”البزناسة» إلى المس بهيبة الأمن، باستهداف المصالح الأمنية من شرطة ودرك لمنع عناصرها من القيام بواجبها المهني في تفعيل القانون.
ولعل واقعة يونيو الماضي التي قام فيها سائق يعمل ضمن عصابة لتهريب المخدرات متبوع بسيارتين، بدهس دركي برتبة “أجودان»، إثر رفض السائق التوقف، تطبيقا لأوامر عناصر الدرك التي كانت مرابطة بالسد القضائي بمحطة الأداء بالطريق السيار أمسكرود ضواحي أكادير، أبلغ مثال على حجم المخاطر التي باتت مرتبطة بمروجي الممنوعات.
وأوهم سائق السيارة التي كانت محملة بالمخدرات، الدركيين بالسد القضائي بالتوقف، عن طريق تخفيض السرعة، قبل أن يقرر اختراق “الباراج» ما نتج عنه صدم الدركي ودهسه، ليفر السائق وتبعته سيارتان.
ونتجت عن قوة الاصطدام إصابة الدركي بجروح استدعت نقله على وجه السرعة إلى المستشفى العسكري، لتلقي العلاجات الضرورية، حيث خضع لعملية جراحية على الكاحل، وهو الفعل الإجرامي الذي استنفر مصالح الدرك الملكي التي قامت بمطاردة هوليودية للسيارة المشتبه فيها، ما اضطر السائق إلى التخلي عن سيارته والفرار إلى وجهة مجهولة رفقة باقي شركائه، إذ أسفرت عملية التفتيش التي أجريت على العربة عن حجز كمية من المخدرات.
وتأتي الواقعة الخطيرة بعد الضربات الاستباقية التي تلقتها عصابات تهريب وترويج المخدرات، من قبل مصالح الدرك الملكي بسرية أكادير، بتشديد الخناق عليها ومحاصرتها من كل الجوانب، وهو ما تمثل في إحباط عدد من عمليات تهريب الممنوعات، آخرها إيقاف سيارة محملة بالكيف وحجز أسلحة بيضاء وحجارة تُستعمل في اختراق “الباراجات» لتجنب الإيقاف، وكذلك العملية الثانية التي توجت باعتقال مروج لـ»القرقوبي» قادم من إحدى مدن الشمال.
وإضافة إلى عدة حالات لا يتسع المجال لذكرها وتعدادها، توجد واقعة جرف الملحة، التي تم فيها إصابة ضابط شرطة بجروح خطيرة، بعد تعرضه لاعتداء وحشي، من قبل مروج مخدرات قرر بقر بطنه بالسلاح الأبيض.
وتم الاعتداء على ضابط الشرطة، بعد تدخله رفقة أمنيين لمنع فرار الموقوف الذي يعتبر من ذوي السوابق في ترويج المخدرات وارتكاب الجرائم العنيفة، والذي هاجم سيارتين للشرطة وألحق بهما أضرارا جسيمة لتفادي اعتقاله، باعتباره شخصا مبحوثا عنه لخطورة جرائمه، قبل أن يبدي مقاومة عنيفة في حق الشرطة لإرغام عناصرها على التراجع، إذ بعد محاولة الضابط محاصرته، وجد نفسه وسط دوامة من العنف، لم تنته إلا بعد طعنه، إلا أن سرعة تدخل زملاء الأمني الضحية واحترافيتهم مكنت من شل حركة “البزناس» المعتدي، وإنهاء فصول مرعبة من المواجهة كادت تودي بحياة رجال نذروا حياتهم لحماية الوطن والمواطن وتفعيل القانون.

الهيني : فشل المنظومة القانونية
< تعتبر المخدرات آفة خطيرة تهدد المجتمعات ليس فقط من ناحية المس بالأمن الصحي، وإنما أيضا بصفة أساسية الحق في الأمن والسلامة، لأنها مصدر لتفشي الإجرام والرعب والإرهاب وانتشار الجهل والأمراض بمختلف تجلياتها، وتسييد الرشوة والفساد ومظاهر التطرف والاعتداء على الأشخاص والأموال وانتهاك شرف وحياة الناس والمس بحياتهم الخاصة، لذلك فالآثار السلبية للمخدرات والعصابات التي تنشط في إطارها كعصابات إجرامية منظمة وقنبلة موقوتة تدمر كل القيم والمثل السامية والحضارية للمجتمعات، متجاوزة بذلك ما هو محلي ووطني إلى ما هو دولي.
هذا النوع من الجرائم التي تتسبب فيها المخدرات والعصابات الإجرامية التي تدور في فلكها، لا يقتصر على جريمة بعينها، بل يمتد لمجموع الجرائم الخاضعة للقانون الجنائي، سواء جرائم الأشخاص أو الأموال أو الماسة بالتجارة أو الصناعة أو المال العام، وهي جرائم إما تقليدية أو إلكترونية تختلف طبيعتها وآثارها ومداها والعقوبات بحسب خطورتها وتكييفاتها القانونية.

< الأكيد أن الخلل يكمن بصفة أساسية في انهيار المنظومة التربوية، سواء داخل الأسرة أو المدرسة أو الشارع العام أو الإعلام، وهي المحددات الأساسية للإجرام أو الصلاح وتعتبر بمثابة الخلايا الوقائية التي يجب أن تحتل مكانة الصدارة في التربية والتوعية والتثقيف.
أما في ما يتعلق بالمنظومة الأمنية والقضائية فأدوارها ريادية جدا في تعقب هذه الجرائم وتقديم مرتكبيها للعدالة وإيقاع العقوبات اللازمة في حق المجرمين.

< لا يمكن أن نغفل دور القانون الجنائي في عملية الإصلاح والردع لأن منظومتنا القانونية في مجال محاربة المخدرات ضعيفة جدا وفشلت فشلا ذريعا في تحصين المجتمع، لان أقصى عقوبة تصل لعشر سنوات، بخلاف بعض التشريعات المقارنة التي تعاقب على جرائم المخدرات بالسجن المؤبد أو الإعدام، بصرف النظر عن مشروعيته والنقاش حول إلغائه، مما يحتم إعادة النظر في العقوبات والاتجاه نحو تشديدها لترتقي إلى درجة الجنايات، وليس مجرد جنح.

* محام بهيأة الرباط

محاكمة شعبية ومطالب بتشديد العقوبات
نظرا لخطورة الجرائم المروعة التي ارتكبتها عصابة حد السوالم، تحولت إلى قضية رأي عام، ولأن مواقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، يعتبر فضاء شعبيا يترافع فيه نشطاء العالم الافتراضي عن القضايا والأحداث الكبيرة، توحد الفيسبوكيون في استنكار الأفعال الإجرامية المرتكبة وتسليط الضوء على خطورتها على الأمن والسلم العامين، مطالبين بتعزيز الدوريات الأمنية وإعادة النظر في العقوبات الحبسية الحالية بتغيير فصول القانون الجنائي لتشديدها وفرض عقوبات بديلة تقطع مع ما صار يطلق عليه “الحبس مابقاش كيخلع».
وفي هذا الصدد اختارت “الصباح” عددا من التدوينات التي حفل بها الفضاء الأزرق.
«للأسف ولينا نخافوا نخرجوا بالليل بسب ارتفاع نسب الإجرام”، من بين التعليقات التي تضمنها موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، والذي عبرت فيه صاحبته وهي ربة بيت عن تخوفها من إرسال بناتها بمفردهن إلى المدرسة، خشية التعرض للتحرش والسرقة والاغتصاب، من قبل جانحين يتربصون بتلاميذ المؤسسات التعليمية وفي الطرق خاصة الخالية من المارة.
وأضافت المتحدثة نفسها، أن السبب في انتشار معدلات الجريمة بالمغرب يعود إلى تعاطي الشباب للمخدرات بعد أن استطاعت عصابات ترويج السموم اختراق صفوف المراهقين، الذين يصيرون جانحين وجناة في نهاية المطاف.
«واش فعلا حنا فبلاد القانون ولا غابة؟ حيث داكشي اللي وقع فحد السوالم راه كنشفوه غير فأفلام الرعب”، للأسف صار المواطن عرضة لعصابات المخدرات، التي لم تكتف بترويج سمومها لتدمير الشباب والمراهقين، بل تجاوزت حدودها بإعمال قانون الغاب لترويع المواطنين واستهداف الخصوم.
«كيبان ليا الحبس مابقاش كيخلع، راه الجناة كيعتباروه فندق خمس نجوم»، ولذلك آن الأوان لإعادة النظر في العقوبات الحبسية والعفو قبل فوات الأوان.
هيبة الأمن تسير نحو الانهيار بفعل جناة يتعاملون بمنطق الخسارة أكثر من الربح، ولذلك صار من اللازم تكثيف الدوريات الأمنية سواء في الحواضر أو القرى، لأن الوضع الأمني صار مدعاة للقلق بسبب عمليات السرقة والاغتصاب والاعتداءات الجسدية والقتل، التي تُنفذ من قبل عصابات المخدرات.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى