fbpx
مجتمع

“الغارديانات” … قوانين الغاب

يفرضون تسعيرات خاصة ويعنفون أصحاب السيارات ويشترطون غسلها قبل ركنها

يعاني سكان البيضاء العديد من مظاهر الفوضى والعشوائية، التي تجعل حياتهم داخل هذه المدينة “الميتروبولية” معاناة يومية حقيقية. ولعل التعامل اليومي مع “الغارديانات” واحد من أقبح هذه المظاهر. فهؤلاء “الكائنات” التي تنبعث من كل مكان، تفرض تسعيرتها الخاصة على السائقين وشروطها من أجل السماح بركن السيارة في مكان عمومي، خاصة في منطقة “الكورنيش” حيث يتوافد البيضاويون والسياح الزائرون للمدينة يوميا، من أجل الاستجمام وقضاء ساعات من المتعة، قد تتحول، في رمشة عين، إلى زمن لا منته من العذاب. “الصباح” قامت بجولة وجاءت لكم ب”الربورتاج” التالي:

“واش نضرب ليك شي غسلة للطونوبيل؟”… هذا السؤال يكاد يتردد على لسان جميع “الغارديانات” الذين “يعششون” في منطقة “الكورنيش” بالبيضاء، من السابعة صباحا تقريبا، إلى ما بعد منتصف الليل. إذا كان الجواب، نعم، يمكنك، بقدرة قادر، إيجاد مكان لركن السيارة. أما إذا كان الجواب بلا، فلا مجال أبدا لذلك. فحراس السيارات لهم قوانينهم “الغابوية” التي يفرضونها على سكان المدينة وزائريها، من الراغبين في الاستجمام في البحر، أو قضاء وقت ممتع مع أفراد عائلتهم أو أصدقائهم على “شط الكورنيش”.

“الروسيتة”… 1000 درهم يوميا

ينتشرون في كل مكان ب”جيلياتهم” الصفراء وسحناتهم التي لفحتها أشعة الشمس. لا يعرف أحد من أين ينبعثون هذا الصيف. فالكل تحول إلى “غارديان” في أزقة منطقة “عين الدياب” وشوارعها، المتنفس الوحيد الذي “يصب” فيه جميع البيضاويين والسياح الزائرين للعاصمة الاقتصادية. تجدهم قبالة الشواطئ، وأمام “المول” وفي “الباركينغات” المحاذية ل”البيسينات”، وإلى جانب “الكباريهات” والملاهي الليلية والمطاعم ومقاهي الشيشة والفنادق… لكل “طريفته”، التي تبدأ من 5 دراهم وما فوق، حسب الزمن والتوقيت. أما الأمكنة، فدائما شاغرة.
لا أحد يعرف من رخص لهم بممارسة هذه “المهنة” التي على ما يبدو، ترزق أصحابها ذهبا. إذ قد تتجاوز “الروسيتة” اليومية 1000 درهم، حسب ما أكد مصدر مقرب، في اتصال مع “الصباح”، وهو المبلغ الذي لا يجنيه موظف لدى الدولة أو حتى في القطاع الخاص، يشتغل في “ستريس” يومي من أجل تحقيق أهداف معينة يطلبها منه “الباطرون”، في حين يجنيها “الغارديان”، باردة، دون أدنى مجهود يذكر. إذ أحيانا لا يراه صاحب السيارة، إلا حين يهم بالمغادرة، ولا يقدم له أي مساعدة تذكر، لا من أجل إدخال سيارته، ولا من أجل إخراجها.

“الشفرة” والعنف

يقول أحد البيضاويين، الذي اعتاد على قضاء يومه في هذا الصيف الملتهب بأحد شواطئ “عين الدياب”، في لقاء مع “الصباح”: “هادشي اللي كا يديروه هاد الناس هو الشفرة عاين باين. وبخبار المخزن اللي مخلي المواطنين كا يتعرضو لجميع أنواع الاستغلال والابتزاز، دون أن يحرك ساكنا. هادشي ماشي معقول”. قبل أن يستطرد قائلا بعصبية واضحة في نبرة صوته: “أول أمس، ركنت سيارتي أمام أحد المقاهي. وطالبني الحارس بـ 10 دراهم مسبقا بمبرر أن توقيته في العمل انتهى وأن حارسا آخر سيعوضه. وفعلا منحته الدراهم العشرة تفاديا للشجار، خاصة أنني كنت رفقة أطفالي وأسرتي الصغيرة. لكني حين دخلت المقهى لم أجد فيه مكانا شاغرا، فاضطررت إلى تبديله. وما إن ركنت سيارتي من جديد حتى جاء حارس آخر يطالبني بـ 10 دراهم أخرى، رغم أنني أديتها قبل ذلك دون أن أستغل فضاء الركن السابق”.

متطفلون على “المهنة”

ساكن آخر، من سكان المدينة الغول، قال، في لقاء مع “الصباح”: “لم تعد درهمان تكفي من أجل ركن سيارتك. في منطقة الكورنيش، لا بد من 10 دراهم، وإلا شبع فيك الحارس شتما وسبا، وتحولت الساعات التي أردتها من أجل المتعة والاستجمام، إلى ساعات في الجحيم. أفضل بكثير تعميم الآلات على تشغيل مثل هؤلاء الحراس، من خريجي السجون. فهي أرحم بكثير، وتحسب الساعة بدرهمين فقط”.
تحدثت “الصباح”، في جولتها على “الكورنيش”، إلى واحد من “الغارديانات”. وهو رجل كبير في السن، يعمل في المنطقة منذ سنوات. أكد أن “المهنة” تطفل عليها الكثير من الدخلاء. تمنحهم السلطات ترخيصا من أجل حراسة السيارات رغم أنهم يقومون فقط بابتزاز المواطنين. فهم يفرضون تسعيرات حسب مزاجهم، ولا يقدمون أية خدمة أو مساعدة للراغبين في ركن سياراتهم، ولا يقنعون بدرهم أو درهمين. وأكثرهم يتعامل بعنف، خاصة مع النساء، اللواتي يمنحنهم المبلغ الذي يريدونه، خوفا منهم. هذا لا يمنع أن هناك بعض حراس السيارات المغلوبين على أمرهم، والذين يقنعون بدريهمات قليلة مقابل حراسة السيارات فوق أشعة الشمس الحارقة وفي الليالي الباردة”.

“مافيا” الليل

لحراس النهار قوانينهم العشوائية. أما حراس الليل، فلهم “مافيا” منظمة لا يقدر عليها إلا “أصحاب الحال”، و”شوف تشوف”. إنهم شداد غلاظ، مثل رجال عصابات، ينتشرون في “الباركينغات” والفضاءات المحاذية للمراقص و”الكباريهات”. يعرفون “الكليان” الذي اعتاد على السهر، ويعرفون جيدا من يجزل العطاء بعد سهرة “باذخة”، ويحجزون له مكانه إلى أن يصل، ويمنعون الباقين من ركن سياراتهم، بعد أن يضعوا عليها حواجز، وكأنها مكتراة أو في ملكية شخص معين، رغم أنها مكان عمومي. يصل المبلغ الذي يتسلمونه من الزبون الواحد إلى 200 درهم، وقد يزيد أو يقل حسب سخاء كل ليلة. يقومون بالعديد من المهام “الصعبة” في الوقت نفسه. فهم يعرفون “فتيات الليل” و”فتيانه” جيدا مثلما يعرفون “الديلر” والوسيطات في البغاء والدعارة وعناوين الشقق المفروشة، ومستعدون لتقديم جميع أنواع الخدمات، مقابل “الزرقالافات”، بما فيها “التبركيك” والتجسس لصالح “البوليس”، مقابل “يعطيهم شبر التيساع”، يقول أحد “غارديانات” ليل البيضاء، في دردشة مع “الصباح”.

إنجاز: نورا الفواري


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


زر الذهاب إلى الأعلى