fbpx
مجتمع

عمـال الأوراش … زمـن الـرق

آلاف المستخدمين والمياومين يتقاضون بالبيضـاء أجورا هزيلة عن طريق شركات مناولة

وراء غابة المشاريع الكبرى “البراقة” للبيضاء، تختفي معاناة آلاف العمال والمياومين والكادحين الذي يشتغلون في ظروف أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها وضيعة، وأغلبهم من “المرحلين” من شركات مناولة التي تأكل “الهبرة” وتغمس في الدسم وترمي لهم فتات العظام، في إطار نظام شغل أقرب إلى العبودية، يرفع فيه شعار “حمد الله أنك لقيتي خدمة”.

لا أحد يسأل عنهم؟ ولا أحد يعرف كم يتقاضون؟ وماهي حقوقهم ومنحهم وتعويضاتهم؟ مادامت عاصمة المال والأعمال تتقدم في تنفيذ مشاريعها المهيكلة في قطاعات النقل والبنيات التحتية، وتواصل وضع الأساسات للمرافق العمومية وفضاءات الترفيه والحدائق والنظافة وجمع الأزبال.
هم آلاف العمال والمستخدمين والمياومين المشتغلين في الأوراش المفتوحة في المحاور والشوارع الرئيسية ووسط المقاطعات والأحياء. تراهم بستراتهم الصفراء المشعة وأحذيتهم الثقيلة وخوذاتهم وسط الحفر، وفوق الدعامات، وخلف الأسوار وغبار الإسمنت، أو معلقين فوق الجسور والدعامات الحديدية، يشتغلون دون توقف، أو استراحة خاطفة، وإلا كان مصيرهم الطرد النهائي.
عمال متعاقدون، وعمال نصف مرسمين، ونصف مدمجين، وعمال متعاقد عليهم في إطار نظام المناولة الذي يتحول فيه البشر إلى مجرد أرقام، يتقاضى أجرا أقل من الحد الأدنى، دون عطل، أو منح، أو تحفيزات، أو تعويض عن الساعات الإضافية، أو تعويض عن الوسخ والتلوث.
هؤلاء يوجدون عادة خارج دفاتر التحملات والصفقات العمومية وطلبات العروض والعقود، إذ عادة ما تعتبر المؤسسة المانحة للصفقة، أو الشركة النائلة لها، أن مشكل العمال مفروغ منه، ولا يحتاج إلى أي تدقيق، في ظل وجود عشرات العاطلين وأصحاب “الموقف” الذين ينتظرون نصف فرصة.

رق المناولة

تلجأ أغلب الشركات المستفيدة من عقود إنجاز مشاريع بالبيضاء (سواء المدرجة في إطار مخطط التنمية، أو مشاريع المدينة والمقاطعات) إلى شركات المناولة، المعروفة بالمغرب، لتوفير عدد من العمال والمستخدمين، مقابل التوقيع على عقود ودفاتر تحملات لا تحترم في أغلب الأحيان.
وفي وقت تفاوض شركات المناولة على صفقات عمومية بالملايين، يتسلم العمال والمستخدمون أجورا شهرية (إذا تسلموها في الموعد طبعا)، هزيلة، كما الحال مثلا بالنسبة إلى المستخدمين والحراس والتقنيين العاملين في المرابد الجماعية و”باركينغات” الأشرطة الزرقاء ذات الأداء المسبق بعمالة أنفا مثلا. ورغم ارتدائهم بذلا تحمل شعار الجماعة الحضرية وشركة التنمية المحلية المكلفة بقطاع مواقف السيارات بمختلف فئاتها (شركة كازا بيئة)، فإن العمال لا ينتمون إلى الجماعة، بل إلى شركات للمناولة، هي التي تشرف على عقود التشغيل وتوقيعها وتحدد الرواتب التي لا تزيد عن 2800 درهم في الشهر، دون أي منح، أو تعويضات أخرى.
وتبقى هذه الأجور، رغم هزالتها، معلقة كل شهر إلى حين توصل شركة المناولة بمستحقاتها المالية من الجماعة. ويقابل أي تأخير في هذه العملية، تأخير مماثل في صرف الرواتب، وهو سلوك معمول به، وطبع معه العمال عدة سنوات.
ولولا بعض الإكراميات التي يتقاضاها بعض المستخدمين من زبناء مواقف السيارات، لمات أغلبهم من الجوع، وطلقوا زوجاتهم، وحكم على أبنائهم الحرمان من الأكل واللباس والسكن.

عبيد العصر

في باقي الأوراش المفتوحة (طرام، باصواي، جسور، وأنفاق، وطرق)، لا تجد أي صعوبة في تمييز عمل المياومين عن الأطر والمهندسين والتقنيين الكبار، سواء من خلال هيأتهم، أو ملابسهم، أو طريقة الاشتغال المضني في جميع الفصول تقريبا، وسط سحب من الغبار والضجيج.
يقول (ع.م)، عامل بورش بشارع القدس بعين الشق، حيث تتواصل أشغال تشييد سكك الحافلات عالية الجودة، “كنت خدام بشركة د السراول بالحي الصناعي بسيدي البرنوصي، قبل ما تسد في كورونا، من بعد تشومرت شهر ونصف، قبل ما يعيط ليا صاحبي باش نخدم هنا مانوفري”.
كان (ع.م) يرتشف كأس شاي وهو يجلس القرفصاء تحت ظل جدار قريب، مستفيدا من فسحة استراحة صغيرة للغذاء، حين اقتربت منه، وسألته عن “الحالة كيف دايرة”؟
قال لي “اودي خليها على الله، خدامين وصافي، مبقينا كنفكرو في والو غير أش غادي ندخلو في العشية على دوك الوليدات”.
يبلغ (ع.م) حوالي 32 سنة، لكن طريقة كلامه ونبرات التذمر فيه، تجعل منه كهلا في عقده الخامس “حنا خدامين مع لاخرين (يقصد شركة للمناولة)، هي للي كتجيبنا نخدمو، وفي راس الشهر، كيعطيونا واحد جوج فرانك” (يضحك).
أساله عن قيمة الراتب بالضبط، فيجيب “ما فايتاش ربعين ألف”.

عمال النظافة… نظام “بين وبين”

مر العمال والمستخدمون بقطاع النظافة من عدة مراحل، ويتوزعون إلى عدة فئات، حسب تطور القطاع نفسه الذي انتقل من نمط التدبير المباشر الذي كانت تتكلف به الجماعات المحلية قبل دخول المدينة نظام وحدة المدينة، إلى نمط التدبير المفوض الذي تتكلف به شركات خاصة (مغربية، أو أجنبية).
وظل الموظفون الجماعيون، طيلة سنوات، يشكلون عصب الموارد البشرية بهذه الشركات، قبل إقرار جيل جديد من دفاتر التحملات، يفرض على الشركات الراغبة في نيل الصفقات العمومية، إحداث مناصب شغل وتوفير عمال جدد، مع تعبيد الطريق لانسحاب الموظفين العموميين وعودتهم إلى المقاطعات.
ورغم اعتمادها على مستخدمي شركات “المناولة”، تتوفر الشركتان المفوض لهما على فئة من العمال يسمون العمال المرسمين، أو العمال المدمجين، إذ تتوفر شركة “أفيردا” على سبيل المثال على حوالي 1500 عامل من هذه الفئة.
ويتقاضى العمال المرسمون أجرا أساسيا يختلف حسب الصنف الذي ينتمون إليه، إضافة إلى منح شهرية، أو سنوية، مثل منحة النقل ومنحة المردودية، ومنحة الدخول المدرسي وعيد الأضحى، والأقدمية، ناهيك عن التسجيل في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. ويتقاضى عمال الكنس والحمالون من العمال المرسمين أجرا أساسيا، في حدود الحد الأدنى للأجور، ويمثل هؤلاء 70 في الفئة من الموارد البشرية بالشركة نفسها.
في المقابل، يتقاضى السائقون أجرا أساسيا قيمته 3300 درهم، ومراقبو الفرق 3100 درهم في الشهر، بينما يصل أجر مراقبي المناطق إلى 4000 درهم في الشهر، دون الحديث عن باقي الفئات الأخرى، مثل عمال الكراجات، والإداريين والتقنيين والمهندسين.
وإلى جانب المرسمين، تستعين شركتا النظافة بعدد كبير من العمال القادمين من شركات النظافة الذين يرتبطون بعقد شغل مع الأولى، وهي التي تؤدي لهم رواتبهم، بعد تسلم مستحقاتها.
وغالبا، ما يشتغل عمال المناولة في أشغال الكنس والتحميل في الشاحنات، ويتقاضون أجورا لا تتجاوز الحد الأدنى.

يوسف الساكت


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


زر الذهاب إلى الأعلى
Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

أنتم تستعملون حاجب إعلانات

أنتم تستخدمون أدوات لحجب الإعلانات. يرجى تعطيل مانع الإعلانات قبل تصفح الموقع.