حوادث

دراسة في القانون: في أفق وضع قانون مغربي خاص بالاتجار في البشر (1/3)

 

الجناة يفلتون من العقاب لغياب الأساس القانوني

 

لقد أصبح الاتجار في البشر من أعقد وأكثر جرائم العصر الحديث  مساسا وتعديا على الكرامة الإنسانية ، وهو ما يعكسه بجلاء التقرير الدولي الأول حول الاتجار في البشر الذي أصدره مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة UNODOCفي العالم لسنة 2006، والذي توصل إلى نتيجة مفادها أنه  «لا يوجد تقريبا
 بلد محصن ضد هذه الظاهرة ، وأن هناك 127 بلدا تعتبر مصدرا لضحايا الاتجار بالبشر مقابل 137 بلدا كوجهة لهم». تبدل الحكومات ومنظمات المجتمع المدني جهودا حثيثة لمعالجة هذه الظاهرة، وذلك بهدف منع ومكافحة الاتجار بالأشخاص، وإيلائهم العناية الخاصة، وتقديم الرعاية المناسبة لهم واحترام كامل حقوقهم الإنسانية المتأصلة والمتجذرة ليس  فقط في  المواثيق والاتفاقيات الدولية، ولكن أيضا في الشرائع السماوية، سيما الإسلام من خلال مصدرين أساسيين هما القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
وتعتبر جريمة الاتجار في البشر بمفهومها القانوني الحديث وبصورها المتعددة جريمة حديثة في معظم الدول فقيرها وغنيها، وأن العديد من الجناة أفلتوا من العقاب لغياب الأساس القانوني أو على الأقل لعدم تغطيته سائر صور الاتجار في البشر، والتي عرفت في السنين الأخيرة تطورا مضطردا كان من نتائجه  ظهور أفعال جرمية عبر وطنية من قبيل الاتجار في الأعضاء البشرية، الهجرة غير الشرعية، السياحة الجنسية….
وسنحاول مقاربة هذه الظاهرة الحاضرة واقعا في المجتمع المغربي من خلال التعريف بها وبيان بعض صورها، ومعرفة موقف الشريعة الإسلامية منها، وكيف يتعامل المشرع المغربي مع الظاهرة؟ سيما في غياب نص خاص يزجر الاتجار في البشر على غرار بعض الأنظمة القانونية العربية المقارنة مثل مصر ولبنان والجزائر والإمارات العربية المتحدة والبحرين والعربية السعودية….، علما أن عددا لا يستهان به من ممثلي الأمة بالبرلمان المغربي، عبروا عن رغبتهم في سن قانون خاص يرمي إلى زجر ومعاقبة ظاهرة الاتجار في البشر.
تعريف الاتجار في البشر وأهم صوره في الواقع العملي
لما كان التعريف بالشيء فرع من تصوره، فإن بعض التشريعات العربية  حاولت تعريف الظاهرة باعتبارها جريمة في حق الإنسانية .
وفي هذا الإطار عرف المشرع المصري الاتجار بالأشخاص أو البشر من خلال المادة 2 من القانون رقم 64 لسنة 2010 بالقول :» يعد مرتكبا لجريمة الاتجار في البشر كل من يتعامل بأية صورة في شخص طبيعي بما في ذلك البيع أو العرض للبيع أو الشراء أو الوعد بهما أو الاستخدام أو النقل أو التسليم أو الإيواء أو الاستقبال أو التسلم سواء داخل البلاد أو عبر حدودها الوطنية – إذا تم ذلك باستعمال القوة أو العنف أو التهديد بهما، أو بواسطة الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع، أو استغلال السلطة أو استغلال حالة الضعف أو الحاجة، أو الوعد بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا مقابل الحصول على موافقة شخص على الاتجار بشخص له سيطرة عليه – وذلك كله – إذا كان التعامل بقصد الاستغلال أيا كانت صوره بما في ذلك الاستغلال في أعمال الدعارة وسائر أشكال الاستغلال الجنسي، واستغلال الأطفال في ذلك وفي المواد الإباحية أو السخرة أو الخدمة قسرا، أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد، أو التسول ،أو استئصال الأعضاء أو الأنسجة البشرية، أو جزء منها.
و من جانبه عرف المشرع الجزائري الاتجار في البشر من خلال المادة 303 مكرر4 من القانون الجنائي الجزائري بالقول: «يعد اتجارا بالأشخاص، تجنيد أو نقل أو تنقيل أو إيواء أو استقبال شخص أو أكثر بواسطة التهديد بالقوة أو باستعمالها أو غير ذلك من أشكال الإكراه، أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو إساءة استعمال السلطة أو استغلال حالة استضعاف أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سلطة على شخص آخر بقصد الاستغلال.
ويشمل الاستغلال استغلال دعارة الغير أو سائر إشكال الاستغلال الجنسي أو استغلال الغير في التسول أو السخرة أو الخدمة كرها أو استرقاقا أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو نزع الأعضاء .
وقد حذا المشرع الجزائري حذو نظيره المصري عندما لم يأخذ برضى الضحية في جرائم الاتجار بالبشر، وهو ما نصت عليه المادة 33 مكرر 12 من القانون الجنائي الجزائري التي تقابلها المادة2 من القانون المصري.
والملاحظ أن المشرع المصري لئن أفرد لجرائم الاتجار بالبشر قانونا مستقلا هو القانون 64 لسنة 2010  الذي يتضمن 27 مادة، فإن نظيره الجزائري قد عمد إلى إدخال فقرات  في شكل مواد مكررة  للمادة 303 بلغت حوالي 37  مادة تنظم الظاهرة في صلب القانون الجنائي الجزائري وتحديدا في الكتاب الثالث الخاص بالجنايات والجنح وعقوباتها.
ومعلوم أن ظاهرة الاتجار في البشر والتي تستهدف النساء والأطفال بالأساس، سبق أن كانت موضوع اهتمام مجموعة من الفاعلين السياسيين ومنظمات المجتمع المدني وطنيا ودوليا …..، بحيث عقدت عدة ورشات وأيام دراسية في هذا المجال منها على سبيل المثال لا الحصر ورشة عمل تدريبية حول التحقيق في قضايا المهاجرين وملاحقتهم قضائيا بمدينة الرباط منتصف أكتوبر 2011، منظمة من قبل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة   بشراكة مع المعهد العالي للقضاء، وورشة عمل تدريبية إقليمية للبرلمانيين وصائغي التشريعات في مجال مكافحة جرائم الاتجار في البشر  المنظمة من قبل  نفس الجهة، والتي احتضنتها القاهرة في أكتوبر من سنة 2011 وهما الورشتان التي تشرفنا بالمشاركة في أشغالهما .
 وقد توج اهتمام مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة  بهذه الظاهرة بإصدار مجموعة من التوصيات لمحاربة الظاهرة،وبإصدار كتيب إرشادي للبرلمانيين ،وهو مجهود مشترك بين المكتب المذكور والاتحاد البرلماني الدولي أنتج في إطار مبادرة الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الاتجار في البشر، هذا فضلا عن إصدار قانون نموذجي لمكافحة الاتجار بالأشخاص يمكن الاهتداء به في وضع قوانين خاصة في هذا المجال.

بقلم:    يونس العياشي, قاض ملحق بوزارة العدل والحريات – دكتور في الحقوق

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق