حوادث

دراسة في القانون : عقوبة الإعدام بين الإبقاء والإلغاء

نص المشرع المغربي على عقوبة الإعدام لبعض جرائم القتل العمد. ولنأخذ (مثلاً) جريمة القتل العمد مع سبق الإصرار، أو الترصد، أُسوة بما تقرره تشريعات الدول الكبرى كفرنسا وأمريكا وانجلترا، وبما قررته روسيا والنمسا من الرجوع إلى هذه العقوبة، بعد أن كانت قد ألغتها، بعد أن تبين أنها أحسن الوسائل لاستئصال من لا يرجى صلاحه من المجرمين ، سيما أولئك الذين يشكلون خطرا على المجتمع .

تعد عقوبة الإعدام أهم عقوبات « القصاص » – الذي يعني المماثلة، أي معاقبة الفاعل بمثل فعله- المقررة للقتل العمد . وفيه يقول الله عز وجل في سورة البقرة مخاطباً المؤمنين من عباده : « يا أيها الذين ، آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى « (الآية178)، ويقول في السورة نفسها مخاطباً أولي الألباب وأصحاب العقول منهم بقوله: «وَلكم في القِصاص حياة يا أولى الألباب « (الآية179)، مبينا الحكمة من القصاص في قوله سبحانه « لعلكم تتقون « أي لكي تتقوا القِصاص فتكفوا عن القتل، أو تتقوا القتل خوفاً من القِصاص. وفيه أيضاً يقول المثل: « القتل أنْفى للقتل» ويُروى «القتل أوقى للقتل «.
وقد طبقت هذه العقوبة (القتل قِصاصا) منذ نزول الآيتين الكريمتين، ومن تطبيقاتها: أن أحد الولاة سأل سيدنا عثمان بن عفان عن الحكم في قضية رجل عدا على تاجر فقتله لماله، فأجابه بأن يُقتل قِصاصاً  وما قضى به سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه على رجل قطع أطراف آخر، ثم ضرب عنقه فقتله قبل أن يندمل جرحه، من أنه تُقطع أطرافه ثم يُقتل. لكن، ورغم الحِكم المقصودة من تقرير الشريعة الإسلامية لعقوبة القصاص، والأهداف المتوخاة من تقرير عقوبة الإعدام في التشريعات الجنائية الوضعية، أخذت الأصوات تتعالى (دوليا ووطنيا) من منظمات حقوقية للمطالبة بإلغائها، بدعوى الدفاع عن حقوق الإنسان، وخاصة الحق في الحياة، اعتماداً على مجموعة من الحجج، أهمها :
1- أن العقاب حق تملكه الدولة باسم المجتمع، وتمارسه بواسطة القضاء (إذ لا عقوبة بدون حكم ) ، وأن المجتمع لم يهب الحياة لأفراده حتى يحكم بمصادرتها منهم .
2- أن الظروف وسوء الحظ قد يؤديان خطأ إلى الحكم بالإعدام، وبعد تنفيذ الحكم، يتبين الخطأ ، وعندئذ لا يمكن إرجاع الحياة لمن فقَدها .
في حين يرد المؤيدون لعقوبة الإعدام بما يلي :
1- أن المجتمع إذا كان لم يهب الحياة للأفراد حتى يحكم بمصادرتها، فإنه لم يهب لهم أيضاً الحرية، ومع ذلك، يحكم بمصادرتها في الجرائم الأخرى، ولا يوجد من يقول بعدم مصادرتها!
2- أن احتمال الخطأ في عقوبة الإعدام، وعدم القدرة على إصلاحه، واردٌ في العقوبات الأخرى السالبة للحرية، ولم يقل أحد قط بإلغائها .
ولهذه الأسباب الوجيهة التي تحقق مقاصد الشريعة، وأهداف التشريع، فإننا ندعو إلى الإبقاء على عقوبة الإعدام. ونسوق من جهتنا دعما لها، ما يلي:
أولاً – أن مجرد التنصيص على هذه العقوبة في التشريع الجنائي، والعلم بها، يؤدي إلى تحقيق بعض أهدافها، وهو الردع وتَبصيرُ من تسول له نفسه قتل غيره عمدا وعدوانا أنه سيُفعل به مثلُ فعله .
ثانيا – أن الحكم بها في جرائم القتل لا يقع إلا في أخطر الجرائم التي تنِم عن تجرد مرتكبها من إنسانيته.
ثالثا – أن هذه العقوبة ، وحتى في الجرائم التي تكون فيها عقوبة أصلية وفريدة، لها عقوبات بديلة، وهي السجن المؤبد، أو السجن من عشرين إلى ثلاثين سنة. فقد نص الفصل 146 من القانون الجنائي على أنه: « إذ تبين للمحكمة الزجرية، بعد انتهاء المرافعة في القضية المطروحة عليها، أن الجزاء المقرر للجريمة في القانون قاس بالنسبة لخطورة الأفعال المرتكبة أو بالنسبة لدرجة إجرام المتهم، فإنها تستطيع أن تمنحه التمتع بظروف التخفيف، إلا إذا وجد نص قانوني يمنع ذلك .
ومنح ظروف التخفيف موكول إلى تقدير القاضي، مع التزامه بتعليل قراره في هذا الصدد بوجه خاص…
ومنح الظروف المخففة ينتج عنه تخفيف العقوبة المطبقة ضمن الشروط المقررة في الفصول التالية « ، ونص الفصل 147 (الفقرة الأولى) على أنه: إذا كانت العقوبة المقررة في القانون هي الإعدام، فإن محكمة الجنايات تطبق عقوبة السجن المؤبد ، أو السجن من عشرين إلى ثلاثين سنة …» ومن هنا فلا تخوُّف من الإبقاء على عقوبة الإعدام، مادام بالإمكان تجنُبها قضائياً .
رابعا – أن القول بإلغاء عقوبة الإعدام عن جرائم القتل العمد ،  وفي ضوء وجود هذين الفصلين ، من شأنه أن يمس بالسلطة التقديرية المخولة قانونا للقاضي في تفريد العقاب، ويحرمه من بعض وسائل تحقيق المحاكمة العادلة التي تتطلب – فيما تتطلب – مراعاة مدى خطورة الأفعال الإجرامية المرتكبة، ودرجة إجرام المتهم .
خامسا – أن التذرع – لإلغاء عقوبة الإعدام عن جريمة القتل العمد – بالفصل 20 من دستور 2011 الذي يقرر أن « الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان « ، لا يعني التمييز بين إنسان وآخر، وأن للقاتل حقاً في الحياة أسمى وأرجح من حياة قتيله، فهما فيها سواء، « الناس سواسية كأسنان المشط «. مع العلم أن كل حق يقابله واجب. فحق القاتل في الحياة يقابله واجب احترام حق الآخرين في الحياة أيضاً ، فإذا اعتدى عليها يكون جزاؤه من جنس العمل .
سادسا، وأخيراً – أننا سمعنا مؤخراً من أحد المستشارين في تعقيبه على جواب وزير العدل والحريات، عن سؤال يتعلق بالموضوع، أنه يقترح أن تصدر عقوبة الإعدام بإجماع القضاة، بدل الأغلبية. وخوفا من أن يتسرب هذا الاقتراح إلى أذهان آخرين، لما قد يُرى فيه – ظاهريا – من ضمانة للمتهم المهدد بعقوبة الإعدام، نُسارع إلى القول بأن هذا الاقتراح يَمس مسا صريحا بمبدأ سرية المداولة المقرر ضمانا لحرية رأي القضاة واستقلالهم ؛ لأن الأحكام تصدر بالأغلبية، لا بالإجماع، طبقا للمادة 430 من قانون المسطرة الجنائية .
وللجمع بين احترام « مبدأ سرية المداولة، وتوفير ضمانة الإجماع المقترح لصالح المتهم، بشأن عقوبة الإعدام المقررة للجريمة التي تنظر فيها غرفة الجنايات ابتدائيا، وهي مؤلفة من ثلاثة قضاة فقط، نقترح – عوض إجماع هؤلاء الثلاثة – الزيادة في عددهم ليصبحوا خمسة بمن فيهم الرئيس، مع ترجيح صوته في حالة تعادل الأصوات، باعتباره أكثر خبرة وتجربة، كما كان عليه الأمر في قانون المسطرة الجنائية القديم (بعد تعديله) ، وفي الإجراءات الانتقالية ؛ لنكون بذلك قد جمعنا بين الحسنيين: احترام السرية، وإضافة ضمانة عددية للمتهم المرشح لعقوبة الإعدام توازي في قوتها ضمانة الإجماع.
وهكذا تكون عقوبة الإعدام عن جريمة القتل العمد ذات مرجعية شرعية، وقانونية (دوليا ووطنيا) ، ولها أهدافها المتوخاة منها، وأن لقضاتنا المحترمين الأكفاء، السلطة الكافية في تفريد العقاب، وتلافي الحكم بهذه العقوبة، للحكم بدلها بالسجن المؤبد، أو السجن من عشرين إلى ثلاثين سنة. مع العمل على تقليص حالاتها، والزيادة في عدد أعضاء هيأة البت ابتدائيا للحصول على أغلبية (قوية)، – كأغلبية غرفة الجنايات الإستئنافية – بدل تقرير إجماع الثلاثة الحاليين، وخرق مبدأ السرية، مع حذف الفقرة الأخيرة من المقطع الأول من الفصل 146 من (ق.ج) وهي : « إلا إذا وجد نص قانوني يمنع ذلك « ؛ لتكون للقاضي حريتُه الكاملة في تفريد العقاب في جريمة القتل العمد وفي غيرها، ليستطيع تحقيق العدالة في الجزاء، وليعالج كل داء بما يناسبه من الدواء، بحرية تامة وكفاءة عالية، وحكامة جيدة، سعياً وراء توظيف التشريع الجنائي في خدمة المجتمع .
بقلم أبو مسلم الحطاب, دكتور في الحقوق – قاض شرفي من الدرجة الاستثنائية –  رئيس غرفة سابقا بمحكمة النقض –   محام بهيأة
 الدار البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق