fbpx
ملف الصباح

كرين: التيوقراطية خطر على الديمقراطية

القيادي في التقدم والاشتراكية قال إن دولة ولاية الفقيه تهدد الحريات

كثر الجدل حول الدولة الدينية والدولة المدنية، في الفترة الأخيرة، خاصة مع مجيء الإسلاميين إلى الحكم في عدد من الدول العربية في ظل ما سمي الربيع العربي . وفي المغرب بدأ النقاش يتنامى حول هذه القضية بعد تولي حزب العدالة والتنمية مسؤولية تدبير الشأن العام، بعد تنصيب الحكومة في 3 يناير 2012 ، وما طرحه ذلك من تساؤلات حول حضور الدين والمقدس في  الممارسة السياسية ، فظهرت تخوفات من قبل البعض، أساسا الحداثيين
والمنتمين إلى اليسار بمختلف أطيافه، من أن يقود مشاركة الإسلاميين في الحكومة إلى النكوصية والردة، والتراجع عن مسار الدمقرطة ومكاسب الحريات وحقوق الإنسان، فيما اعتبر البعض الآخر أن هذه التخوفات  لا سند لها، إذ أن النظام السياسي المغربي يمنح الملكية موقعا محوريا داخل المجتمع، ما يضمن  احترام ثوابت البلاد والاستقرار السياسي  للبلد…

 ما رأيكم في النقاش الذي يثار بين الفينة والأخرى في أوساط عدد من المفكرين والأكاديميين في الوطن العربي، حول “الدولة الدينية… الدولة المدنية”، والذي تكثف في ظل في ما يسمى الربيع العربي الذي تميز بصعود قوى محافظة إلى الحكم؟
 إن النقاش حول الدولة المدنية والدولة الدينية بين المفكرين والأكاديميين لا يجب أن نخاف منه، فقد يكون إيجابياً إذا ما ذهب إلى صلب الأمور ممَّا قد يؤدي إلى تحقيق مفهوم التجاوز الذي يساعد على تطور المجتمعات.
لكن هذا الصراع بين مساندي الدولة المدنية ودعاة الدولة الدينية عندما وصل إلى الساحة السياسية بدأ يخرج عن سِكَته الصحيحة وأصبحنا نلاحظ نوعاً من التقاطب النمطي.
فهناك من جهة، “إسلاميون” يستعملون الدولة المدنية فَزَّاعة تُقَدم وكأنها تسعى إلى النزع الكامل لأي تأثير للدين في المجتمع. والواقع أن التاريخ لم يعرف إلاَّ نموذجاً وحيداً لهذا النوع من الدولة وهو نظام “ستالين” بالاتحاد السوفياتي سابقاً.
ومن جهة أخرى، فإن الطرف الآخر يربط وصول “الإسلاميين” إلى السلطة ببداية الدولة الدينية ويقدمها وكأنها دولة تيوقراطية تكون فيها ولاية الفقيه وتلغى سيادة الشعب. والواقع أن تاريخنا لم يعرف إلاً حالة وحيدة قد يمكن القول إنها دولة دينية وهي دولة الفاطميين.
المسألة فيها إذن نوع من المبالغة والتشدد من كلا الطرفين، مما دفع البعض إلى تقديم مفهوم الدولة الوطنية لتجاوز هذا الصراع الحاد الذي قد يُفْضي إلى نوع من الشرخ العميق داخل مجتمعاتنا ممَّا قد يهدد بانشطارها.
وفي رأيي، فإن المهمة الحالية لمجتمعاتنا هي بناء الدولة الديمقراطية التي تحمي وتحافظ على كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو المعتقد. الدولة الديمقراطية المبنية على دستور يُكرس توافقا سياسياً في المجتمع حول المعاش المشترك وحماية الأقليات ويضمن فصلاً متوازناً للسلط. الدولة الديمقراطية التي ترفض الخلط بين الدين والسياسة، لكنها لا تُعادي الدين، بل ترعاه لأنه مشترك للمجتمع، ولأنه يلعب دوراً أساسياً في تهذيب هذا المجتمع.
 ما هي مخاطر الأنظمة التيوقراطية  على المواطنة والديمقراطية والحريات والحقوق وما هي الوسائل
والطرق لمواجهة ذلك؟
 إن الكلام عن الدولة التيوقراطية لا يمكن أن يتم إلاَّ من خلال مناقشة كتابات دعاتها الذين يقدمونها كبناء مجتمعي ومؤسساتي يعتمد على مفهوم ولاية الفقيه، والتي يعتبرها البعض نوعا من “التفويض” الإلهي. إن هذه النظرية تطرح مشكلاً بنيوياً من داخل المنظومة نفسها وهو صراع التأويلات لتعددها واختلافها، بل وتناقضها في بعض الأحيان. هذه التأويلات التي قد تصل في بعض الأحيان إلى تكفير كل الأنظمة الأخرى واعتبار الديمقراطية نوعا من الزيغ عن الطريق الصحيح إن لم تنعت بأكثر من ذلك.
كما أن الدولة المبنية على نظرية ولاية الفقيه تشكل تهديداً حقيقياً للحريات الفردية والجماعية وللقيم الديمقراطية التي راكمتها الإنسانية، كقيم التسامح والانفتاح وقبول الآخر والمساواة بين المواطنين والمواطنات وعدم التمييز بين الفئات والطوائف والجماعات. وللتذكير فإن المفكرين المسلمين المتنورين كانوا دائماً يرفضون هذا النوع المتشدد للدولة الدينية في شكلها التيوقراطي. فالمفكر محمد عبده ذهب أبعد من رفض الدولة التيوقراطية، بل دافع عن الدولة المدنية في الإسلام وذلك منذ أكثر من قرن. المفكر محمد عبده ومجايليه، أمثال الأفغاني كانوا يَسْعَوْنَ إلى تفسير مستنير للإسلام فاتحين بذلك مسار التنوير داخل المجتمعات الإسلامية على غرار مرحلة الأنوار التي عرفتها القارة الأوربية.
إلاَّ أن تكالب الاستعمار من جهة، والقوى النكوصية داخل مجتمعاتنا من جهة أخرى، قوى الفرملة والشد إلى الخلف، مما أدَّى إلى إجهاض هذا المسار التنويري في مهده والذي كان من شأنه لو استمر أن يؤدي إلى مشروع نهضوي حقيقي للمجتمعات الاسلامية.
كما أن معسكر التقدم من المفكرين يتحمل هو كذلك جزءاً من المسؤولية لأنه بانبهاره بالفكر الغربي تجاهل ضرورة العمل على اسْتِنْباط المحتوى التقدمي والعقلاني في التراث الإسلامي لتوظيفه إيجابياً في عملية التنوير المجتمعي.
وهكذا، وبين المفكرين المتقوقعين من جهة، والمفكرين المنبهرين بالغرب من جهة أخرى، أضاعت مجتمعاتنا الفرصة التاريخية لإنجاز مهمة التنوير التي تُعيد تصالح الدين مع العقل والعلم، هذا التنوير المجتمعي الضروري لانطلاق نهضة مجتمعية حقيقية.
حضرت، أخيرا، ندوة فكرية بالرباط حول فكر كل من الغزالي وابن رشد استعرض فيها المحاضران من خلال هذين المفكرين المسلمين الذي يُفَرِّقُ بينهما قرن من الزمن ذلك الخَزَّان الفكري والفلسفي والمعرفي الهائل للتراث الاسلامي، والذي من شأنه أن يعطي الأدوات الضرورية والمداخل الضرورية للقيام بإصلاح ديني حقيقي يَحُدُّ من الوظيفة الأسطورية التي ألصقت به وبتنوير فكري وفلسفي يؤهلان مجتمعاتنا للانصهار في عصرها وببناء ديمقراطي يقضي على كل مظاهر التسلط والاستبداد.
خلاصة القول وكما قلت سابقاً، نحن بحاجة إلى بناء دولة ديمقراطية، النعت الوحيد الذي يندرج في العصر ويعمل بما راكمته البشرية من تقدم مؤسساتي، نَعْتٌ يُلغي كل النعوت الأخرى من دولة مدنية أو دينية أو حتى وطنية. بكل بساطة و وضوح، نحن في حاجة إلى دولة ديمقراطية و بس !!

 امحمد كرين, عضو مجلس الرئاسة  للتقدم والاشتراكية

أجرى الحوار: جمال بورفيسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق