قطار الفحم الحجري بدل الباخرة حكاية محمد ترسيم الملقب بمصطفى الطاهر المحتجز في مخيمات بوليساريو تلخص معاناة جيل من الشباب المغرر بهم، هو الشاب اليافع،ابن السادسة عشرة، الذي سافر بداية السبعينات من مسقط رأسه كلميم إلى موريتانيا من أجل الهجرة إلى أوربا بأوراق موريتانية كما كانت العادة آنذاك. لكن السمعة التي اكتسبها ميكانيكيا ولحاما بارعا جعلت بوليساريو ترسل وراءه من يجنده للاستفادة من خبرته المهنية التي مكنته من تركيب سيارة "جيب" الأولى لبوليساريو . ترسيم بدأ مسار الهروب والعودة إلى المغرب منذ الشهر الأول بمعسكرات الجبهة، لم يستغرق منه الأمر إلا أياما قليلة ليكتشف الخديعة وليكبر داخله الندم، تعددت محاولاته للهروب ليجرب كل أنواع السجن والاختطاف. كيف تمكن رجال بوليساريو من إقناعكم بالذهاب إلى معسكرات بوليساريو؟ جاء الثلاثي المكلف باستدراجنا إلى معسكرات بوليساريو في هيأة ضيوف، ومن الأشياء التي بقيت عالقة في ذهني الكلمات التي قالها لي أحدهم يشاهد صورة لمدينة الدار البيضاء كنت أعلقها في غرفتي "ياربي لقتلني حتى نشوف العيون في هذا الشكل"، وطبعا كان كلام الضيوف الثلاثة في البداية على هذه الشاكلة بطريقة غير مباشرة ودون قول الصراحة بتبني الطرح الانفصالي، عندما تأكدوا أننا أصبحنا ميالين إلى تبني منطقهم في قراءة الوضع، عرضوا علينا فكرة الالتحاق بالجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، ورغم تمكنهم من إقناع كل من الحسين المتوكي والحسين أحمد وسويلم بركة كنت أعبر لهم عن رفضي المطلق لأي وجهة قد تطيل غيبتي عن أهلي، لكن الحسين أحمد أغراني بالربح المادي السريع عندما قال لي إننا سندهب هناك من أجل التجارة في متلاشيات العربات العسكرية ببيع قطعها في موريتانيا، وأن الجبهة لا يمكن أن ترغمنا على البقاء في المعسكرات، لأننا مازلنا قاصرين، فكانت تلك هي البداية. متى اكتشفت هول ما ينتظركم وزيف الأحلام التي رسمها لكم المستدرجون؟ بعد شهر تقريبا تقرر، في فجر أحد أيام غشت من سنة 1974، أن نأخذ قطار الفحم الحجري إلى الزويرات، ومنها بسيارات "رودروفير" إلى منطقة تسمي "رق المهابيل" جنوب ولاية تندوف الجزائرية، وعندها تحول الكلام الجميل والمعاملة الحسنة من قبل مرافقينا إلى عنف لفظي وخطاب تخويني في حقنا وسب وقذف في حق المغرب وقياداته السياسية، وتأكدت مخاوفي، أكثر ذلك أصبحت متيقنا من أني وقعت في شراك فخ يصعب الخروج منه، وأني سأقضي الأتي من أيامي في جحيم حقيقي، خاصة في ظل ما شاهدته من خصاص في المؤونة لدى بوليساريو يصل حد المجاعة، حيث كان الطعام الوحيد هو قمح سيئ الجودة، يبدو من رائحته أن قديم جدا، يقومون بطبخه في الماء وتوزيعه بينهم، سنعرف بعدها أن الجزائر لم تكن قد بدأت وقتها في تقديم المساعدات للبوليساريو.بعد أسابيع في معسكر "رق المهابيل" جاء إلينا محمد لمين ولد البوهالي وزير الدفاع الحالي في بوليساريو، وهو من القياديين المؤسسين المنتمين إلى فصيل يدعى الحركة الموازية التي كانت تتبنى خطا مخالفا لتوجهات الجبهة الشعبية، وبحكم أنه كان ضابطا في الجيش الجزائري فقد تكلف البوهالي بهمة توفير العتاد، ليس بشرائه لأن الوضعية لم تكن تسمح بذلك، ولكن بجلب المتلاشيات و الخردة الجزائرية ثم إصلاحها و إعادة تركيبها. عرض علينا البوهالي الفكرة، بدأنا العمل بالوسائل القليلة المتوفرة، فكان أن قمنا بتركيب ثاني سيارة عسكرية في بوليساريو بعد تلك المخصصة لزعيم الجبهة الأول الوالي مصطفى السيد، التي سيستعملها الوالي كأول أمين عام لجبهة بوليساريو بعد مؤتمر "عبد الرحمان ولد عبد الله" سنة 1974 . ياسين قطيب