وطنية

حديث الصباح : “الشباب” و”النساء” والمواطنة

بين الرابع والعشرين والسادس والعشرين من يونيو الماضي، نظم برنامج الأمم المتحدة للسكان وجامعة الدول العربية “المؤتمر الإقليمي للسكان والتنمية في الدول العربية” في القاهرة. كنت ضمن المشاركين المغاربة في المؤتمر، رفقة مجموعة من ممثلي مختلف القطاعات (وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية، وزارة الشبيبة والرياضة، وزارة الصحة، الرابطة المحمدية للعلماء، مركز الدراسات والأبحاث الديمغرافية وممثلو المجتمع المدني). المؤتمر انعقد أياما قليلة قبل بدء الثورة في المحروسة وخلع الرئيس محمد مرسي. كانت الأجواء في القاهرة بدأت تعرف بعض التوتر ترقبا لـ “التمرد” الذي سيأتي.
المؤتمر الذي شهد مشاركة دول مختلفة من المنطقة العربية أعاد للأسف تكرار الخطابات النمطية الكلاسيكية نفسها التي تتكرر في أغلب اللقاءات والمؤتمرات. تتوالى الخطابات، متشابهة في معطياتها وفي لغتها الخشبية (اللهم بعض الاستثناءات النادرة). تطرق المؤتمر لمواضيع الشباب والمرأة والشيخوخة والتحولات الديمغرافية… قبل أن يصدر بيانا ختاميا. لكن، هل كان في لقاءاته وفي بيانه الختامي شيء جديد ينذر بتحول في التصورات والإستراتيجيات المرافقة لهذه القطاعات والفئات الاجتماعية؟ هل شكلت النقاشات ثورة فكرية وسياسية حقيقية لتغيير منهجية واستراتيجيات التعامل مع هذه القطاعات؟ هل خرجنا من الأماني والأحلام والخطابات لنزلزل أساليب العمل؟
إحدى المشاركات من الوفد المغربي، وهي أستاذة جامعية من وجدة (وزوجة أحد قياديي حزب العدالة والتنمية)، تساءلت في مداخلتها عن السبب الذي يجعلنا لا نتطرق لما اعتبرته “المشاكل الحقيقية للمرأة، كالبطالة والعنوسة”؛ وأنه يجب العمل على تطبيق مواثيق حقوق الإنسان وحقوق المرأة “لكن مع احترام الثوابت والخطوط الحمراء”. الأستاذة الجامعية المحترمة فسرت كيف أنها شاركت في الانتخابات المحلية وفشلت فيها أمام شخص أمي، لمجرد أنه رجل وهي امرأة. أولا، سيدتي، تفسير نتائج الانتخابات لا يتم اعتمادا على قراءة تبسيطية كهذه، لأنه يخضع لمعايير معقدة جدا لا يمكن اختزالها في ثنائية امرأة/رجل أو متعلم/أمي. أليس الأمر أكثر تعقيدا ويشمل حيثيات أخرى كثيرة جدا لا تشكل هذه الثنائيات إلا جزءا منها وإن كان مهما؟ ثانيا، عن أي خطوط حمراء تتحدثين سيدتي؟ من يحدد هذه الخطوط ومن يرسمها؟ من اختزل “المشاكل الحقيقية” للمرأة في البطالة وفي العنوسة؟ وما هو الحل الذي تقترحينه سيدتي، لما تسمينه “مشكل العنوسة”؟ لعله تعدد الزوجات؟ أتساءل أحيانا كيف يمكن المشاركة في مؤتمرات دولية وتقديم تصريحات غير مسؤولة من طرف أشخاص يفترض فيهم أن يساهموا في بناء نقاش بنّاء وموضوعي عن إشكاليات البلد؛ لأن لهم من المؤهلات العلمية والأكاديمية ما يخول لهم ذلك…
لكن أكثر ما أثار انتباهي خلال لقاءات هذا المؤتمر الإقليمي، هو أسلوب طرح موضوعي “الشباب” و”المرأة” بشكل عام. في معظم المداخلات، سواء منها تلك المبرمجة أو تلك التي كانت تصدر من مشاركين في المؤتمر (مداخلات القاعة)؛ كان يتم تناول موضوع “الشباب” و”المرأة” من منظور “مادي” لا غير: توفير التعليم الجيد، توفير فرص الشغل، الحماية من العنف، الحماية الصحية… هي بالتأكيد أمور أساسية ومهمة في مجتمعات تعرف أغلبها إشكاليات في هذه الميادين، لكن، هل سيمكننا أن نختزل إشكاليات الشباب والمرأة في هذه المواضيع؟ ألا يجعلنا هذا نعتبر “الشباب” و”المرأة” فئاتٍ معزولة عن المجتمع، تحتاج للوصاية وللدعم؟ ألم نصل مستوى من النضج السياسي والاجتماعي يجعلنا نعتبر أن “الشباب” و”المرأة” ليسا فئتين متعارضتين مع باقي مكونات المجتمع، وأن الشباب والنساء ليسوا مجرد كائنات مادية لها احتياجات مرتبطة بالصحة والتعليم والتشغيل، بل هي مكونات مجتمعية يجب التعامل معها بإطار شمولي وأفقي؟
بشكل آخر، لماذا لا يتم الحديث، حين التطرق لمواضيع الشباب والمرأة، عن سياسات المواطنة، المسؤولية، الحقوق المدنية، حقوق الإنسان بمفهومها الشامل، تدبير الشأن العام، المشاركة في اتخاذ القرار…؟ يذكرني هذا بكوننا في المغرب، ومنذ سنوات، نملك في حكوماتنا المتعاقبة وزارة مكلفة بـ “الشباب والرياضة”. لماذا علينا ربط الشباب بالرياضة أو بالأحرى، اختزال الشباب في الرياضة؟
جميل جدا أن نفكر في هذه الفئات الاجتماعية، لكننا بجعلها فئات معزولة عن باقي مكونات المجتمع، ليس لديها إلا احتياجات مادية (الشغل، التعليم، الصحة…) لا نجد حلولا عميقة وجذرية لإشكالياتها. نحن قد ننجح في حل مشاكلها المادية، لكننا قد نجد أنفسنا بعد بضع سنوات قد صنعنا منها كائنات مستهلكة وسلبية. وحدها التنمية والتكوين على أسس المواطنة الحقّة، كحقوق ومسؤوليات، يصنع المجتمع الناضج. 

بقلم: سناء العاجي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق