fbpx
أســــــرة

التبرع بالدم… ثقافة لا تسري في عروق المواطنين

بمجرد انتهاء الحملات الموسمية للتبرع تتحول مراكزه إلى بنايات مهجورة

غريب أمر المغاربة. تسري في عروق غالبيتهم ثقافة التضامن والتآزر، لكنهم في الآونة الأخيرة صاروا بحاجة كبيرة إلى من يحثهم على إتيان وإظهار هذه الخصال. في الحملة التي أطلقت يوم ثامن مارس الماضي (واستمرت إلى غاية 24 من الشهر ذاته) والتي كان وراءها الملك بعدما تبرع بدمه في مدينة فاس ليشجع المترددين من المغاربة على حذو حذوه، تسابق الكثيرون من هؤلاء إلى أقرب مركز لتحاقن الدم مشمرين عن “سواعدهم” للمساهمة بمليلترات من السائل الأحمر عساه يكون سبيلا لإنقاذ حياة شخص ما. الحملة التي أطلقت حينها برعاية ملكية، والتي اختير لها شعار “كل تبرع بالدم يساهم في إنقاذ ثلاثة أشخاص… يمكننا أن نكون جميعا أبطالا”، أحدثت حماسة ورغبة واسعتين في أوساط المغاربة الذين قصدوا رأسا أقرب مركز لتحاقن الدم بجوارهم، حتى صارت باحات الاستقبال ومداخل المراكز الجهوية لتحاقن الدم (التابعة للمركز الوطني لتحاقن الدم) تضيق بما رحبت عن استيعاب هذه الجحافل الكبيرة من المتبرعين.
لكن الأكثر غرابة هو أنه مباشرة بعد انتهاء الحملة التي استمرت ما يقارب ثلاثة أسابيع عادت المراكز الجهوية إلى سابق حالها. قليلون من يترددون عليها، حتى مع اقتراب اليوم العالمي للتبرع بالدم كان المشهد بالمركز الجهوي لتحاقن الدم بالدار البيضاء شبيها بأرض مهجورة لا يتردد عليها إلا الممرضون والمستخدمون والأعوان بالمركز، وقلة قليلة من المتبرعين المداومين على فعل هذا الخير.
إحدى الأطر الطبية بهذا المركز قالت، في دردشة مع الجريدة، إن الحملة التي أطلقت في شهار مارس الماضي كانت أشبه بسحابة صيف عابرة. وأوضحت، مفضلة عدم ذكر اسمها، أن الذين كانوا يصطفون على مداخل مراكز تحاقن الدم، إثر الحملة المذكورة والتي صاحبتها حملة إعلامية كبيرة، لم يبق منها إلا قلة قليلة تداوم على التبرع بدمها، مبرزة أن التبرع بالدم ليس ثقافة أو سلوكا متجذرا عند المغاربة، بل هو طقس موسمي يهرعون إلى ممارسته كلما كانت هناك حملة معينة تشرف عليها جهة رسمية ما.
خلال جولة لنا بأجنحة هذا المركز كان لافتا للانتباه فراغ شبه تام لقاعة التبرع. تنتظر الكثير من الوقت قبل أن يحل واحد من المتبرعين. إنه الهواري لزعر، رجل تجاوز الخمسين من العمر، مداوم على التبرع بدمه منذ قرابة 12 عاما. “لدي كريات دم حمراء بشكل وافر، ولهذا فأنا أفضل أن أتبرع بدمي”، يشرح لزعر قبل أن يضيف “حتى بناتي عندما يكبرن بما فيه الكفاية سأشجعهن على التوجه إلى مراكز تحاقن الدم للتبرع بقليل من دمهم، للأسف زوجتي كان بودها كذلك أن تتبرع، لكن بحكم دواعي صحية فإنها لن تستطيع فعل ذلك”.حتى الساعة العاشرة والربع صباحا كانت قاعة التبرع بالدم بهذا المركز ما تزال خاوية على عروشها. المقاعد التي يتمدد عليها المتبرعون اتخذتها بعض الممرضات أسرة للتمدد فوقها بحثا عن إغفاءة قصيرة في هذا الصباح الصيفي الخانق. مقصف المركز بدوره يكاد يكون خاليا لا يوجد به إلا عبد الرحيم، الذي وصل بعدما غادر لزعر. كان جالسا يتناول الياغورت وقطعة حلوى وهي من جملة المواد التي يحصل عليها كل متبرع إلى جانب قنينة ماء صغيرة الحجم وقليل من عصير الليمون معبأ في قنينة كارتونية صغيرة.
يقول عبد الرحيم، بلكنته المراكشية، “أشعر براحة كبيرة عندما أتبرع بالدم. إنه أمر صحي ويمكن الجسد من تجديد الدم الذي يجري في عروقنا”، ثم يستطرد “أشعر بتحسن كبير في بصري وفي كامل أطراف جسدي”. بدوره يلاحظ أن ثقافة التبرع بالدم “تبقى محصورة لدى فئة اجتماعية معينة، فالغالبية لا يهتمون بهذا الأمر إلا إذا كانت هناك حملة ما”. عبد الرحيم، وعمره 63 سنة، يداوم على التبرع بدمه مرة كل شهرين، وذلك منذ سنة 1970، ويقول “كثيرون لا يعون أن في تجدد الكريات الدموية منفعة كبيرة لصحة المتبرع”.

محمد أرحمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق