fbpx
ملف الصباح

إخوان يلهفون حقوق شقيقاتهم

في يوم ممطر من دجنبر 1975، عقد عبد الله وعمر والمعطي وخليفة اجتماعا مصيريا في غرفة الضيوف بمنزلهم القروي بضواحي قلعة السراغنة، دعا إليه شقيقهم الأكبر (خليفة) على وجه الاستعجال.
انتظر الإخوة الثلاثة، الذين يقطنون بالدوار نفسه، وصول شقيقهم الرابع الأصغر سنا (عبد الله) الذي يشتغل في شركة فرنسية للجبس بالبيضاء، لينطلق الاجتماع في ظلام دامس في حدود منتصف الليل، بعد التأكد من إغلاق القبة (غرفة الضيوف)، وإشعال شمعتين في ركنيها.

تكوم الأربعة في جلاليبهم الصوفية مختلفة الألوان. وجالت نظرات كل واحد منهم تسبر أسرار وجوه الآخرين المضللة بالشعاع الخافت للشمعتين، في صمت مشوب بالحيرة، قطعه الأخ الأكبر (خليفة)، بقوله “على بركة الله نبداو هاد شي”.
تنحنح خليفة، واستجمع أفكاره، ثم أردف “الخوت معندي منخبي عليكم..هاد البركة للي خلا الوليد غادي نقسموها على ربعة..وخواتتنا السعدية وعايشة وكلثوم وخونا الصغير عبد الغني غادي نجمعو ونطويو معاهم”.
سادت جلبة صغيرة في الركن شبه المظلم من القبة، وتململ الأشقاء الثلاثة في مكانهم، قبل أن يعالجهم خليفة بحججه الدامغة “شوفو مبغيتش كثرة الهضرة..هاد شي ديال يورثو معانا العيالات معندانش في القبيلة والشرع..خواتاتنا مزوجين ورجلاتهم هما للي مكلفين بيهم ولبغيتو رزق الوليد يمشي عند البراني، أما خونا الصغير، فراه مربيه النصراني في طنجة، ومعندوش الحق معانا”.
غمغم عمر (الشقيق الأوسط) بكلمات غير مفهومة، فهم منها خليفة أنه يعارضه في قراره، الذي حسمه في الليلة السابقة مع زوجته وابنه البكر عصام. اتكأ خليفة على كفه، واستوى واقفا وسط القبة ورفع سبابته في وجه شقيقه عمر “شوف نتا كنعرفك حنين، هاد المحنة ديرها مع مراتك وولادك..ماشي مع البراني للي بغا يجغمطنا في ورث الوليد”.
بعدها، توجه خليفة إلى باب القبة وفتحه بعنف، وهو يهم بالخروج، لكن قبل ذلك التفت إلى إخوته وقال لهم “سدينا هاد شي..منبقاش نسمع فيه الحس..وغدا نتلقاو في السوق باش نقسمو ونتكاتبو”.
على مدى أربعين سنة، لم تمل السعدية (67 سنة) من سرد قصة الغدر بالتفاصيل نفسها كأنها وقعت بالأمس فقط، وليس قبل 46 سنة.
السعدية هي واحدة من الأخوات الثلاث اللواتي حرمن من إرث والدهن، دون وجه حق، اللهم طمع إخوانهن من الذكور الذين باعوا 120 هكتارا لمستثمرين أجانب في منتصف الثمانينات، وشدوا الرحال أربعتهم إلى مراكش، حيث اشتروا فيلات ورياضات وأراضي عارية وشققا، وتمكنوا من تدريس أبنائهم في أعرق الجامعات بفرنسا. ومضت عدة سنوات على المؤامرة، قبل أن تنتبه الشقيقات الثلاث وشقيقهن الأصغر يوسف أنهم ذهبوا ضحية اتفاق في الظلام، وزع فيه الأخوة الأربعة التركة بالتساوي (30 هكتارا لكل واحد منهم)، دون أن يرف لهم جفن.
وحين فكرت الأخوات في مواجهة أشقائهن بفعلتهم، مطالبات باسترداد حقهن “المشفور”، ووجهن بابتسامات ساخرة وبكلام من قبيل “واش نتوما مازال عاقلات على هاد شي..راحنا عائلة وحدة..بحال ورثنا حنا..بحال ورثو نتوما فين كاين المشكل”.
جربت الأخوات الثلاث وشقيقهن الأصغر (تزوج وله فتاتان) جميع الطرق لاسترداد حقوقهم، منها رفع دعوى قضائية بنصيحة من محام شاب، سرعان ما وضعت في الحفظ لعدم وجود وثائق ملكية، تؤكد أن الأراضي موضوع الإرث كانت في ملكية والدهم.
بعد سنوات، اكتشف الضحايا أنهم يصبون الماء في جرة مكسورة، كما اكتشفوا أنهم يخسرون أموالا على ملفات قضائية دون جدوى، هم أحوج إليها، فاستسلموا للأمر الواقع، رافعين أكفهم طلبا لعدالة السماء، بعد أن ظلمتهم عدالة الأرض.

يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى