fbpx
حوادثمقالات الرأي

قطني: التقـادم في جرائم البناء

منذ الشروع في إنجاز بناء مخالف للقانون يتم ارتكاب أنواع متعددة من جرائم البناء (2/1)

أحمد حمدي قطني *

لقد أثارت مسألة التقادم في مخالفات البناء نقاشا حادا لدى المتخصصين في مجال التعمير، إذ أن آراءهم تتأرجح بين مؤيد ومعارض حول خضوع هذا النوع من الجرائم للتقادم. الأمر الذي استوجب معه التدخل برأينا المتواضع، آملين أن نصيب في التحليل وأن نفتح الباب أمام المهتمين للنقد والنقاش كي ينجلي الغموض عن هذا الموضوع.

التقادم أو أجل التقادم أو أمد التقادم هو المدة من الزمن التي يحددها المشرع في قانون ما، بعد انقضائها يسقط الحق في المتابعة وإثارة الدعوى، والعلة في ذلك تكمن في أن المجتمع يكون قد تناسى الفعل الجرمي ولم يعد بحاجة إلى فتح جرح قد تعافى وإلى تحريك الدعوى على فعل نسيه الضحايا والمجتمع، ولم تعد مصلحة في إعادته للواجهة من جديد.
ويعد التقادم سببا من أسباب سقوط الدعوى العمومية كما جاء في منطوق المادة 4 من قانون المسطرة الجنائية، إذ يعتبر واقعة مادية تولد عند مرور مدة زمنية محددة قانونا، فيترتب عن ذلك عدم إقامة الدعوى ويصبح الجرم المرتكب سلفا دون أثر أو عقاب.
ويعتبر التقادم من النظام العام، فلا يمكن التنازل عنه ولا الاتفاق على مخالفته. كما يتعين على المحكمة إثارته تلقائيا، ويجوز التمسك به في أي مرحلة من مراحل الدعوى ولو لأول مرة أمام محكمة النقض.
وينصرف الأمر كذلك على جرائم البناء التي لا يتم التصدي لها وزجرها طور إنجازها، حتى يكتسب حق التصرف لذويها على المباني محل المخالفات، وينشأ الحق من أجل تملكها بالنسبة للأغيار الذين قد يكونون حسني النية.
إذن فما موقف المشرع المغربي من التقادم في جرائم البناء؟ وهل خصه بنص خاص؟
لقد نصت المادة 5 من قانون المسطرة الجنائية كما تم تغييرها وتتميمها بمقتضى المادة الثانية من القانون رقم 35-11 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 22-01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، الصادر في 17 أكتوبر 2011، على أن الدعوى العمومية تتقادم، ما لم تنص قوانين خاصة على خلاف ذلك، بمرور:
– خمس عشرة سنة ميلادية كاملة تبتدئ من يوم ارتكاب الجناية.
– أربع سنوات ميلادية كاملة تبتدئ من يوم ارتكاب الجنحة.
– سنة ميلادية كاملة تبتدئ من يوم ارتكاب المخالفة.
غير أنه إذا كان الضحية قاصرا وتعرض لاعتداء جرمي ارتكبه في حقه أحد أصوله أو من له عليه رعاية أو كفالة او سلطة، فإن أمد التقادم يبدأ في السريان من جديد للمدة نفسها ابتداء من تاريخ بلوغ الضحية سن الرشد المدني.
لا تتقادم الدعوى العمومية الناشئة عن الجرائم التي ينص على عدم تقادمها القانون أو اتفاقية دولية صادقت عليها المملكة المغربية وتم نشرها بالجريدة الرسمية.
يستشف من خلال نص هذه المادة أن جميع الدعاوى العمومية يطولها التقادم إلا ما استثني بنص خاص يقضي بخلاف تلك المدد المقررة حسب كل نوع من الجرائم أو يقضي بعدم تقادمها، سواء بنص قانوني أو نصت على ذلك اتفاقية دولية مصادق عليها من قبل المغرب وتم نشرها بالجريدة الرسمية.
أي أنه – وبمفهوم المخالفة – إذا لم يتم التنصيص على آجال أخرى للتقادم وعند غياب نص قانوني يقضي بخضوع (أو عدم خضوع) جرائم ما للتقادم، فإن المادة الخامسة من قانون المسطرة الجنائية تبقى هي النص العام أو القاعدة القانونية العامة التي يتم الرجوع إليها.
ومن القوانين الخاصة التي نصت صراحة على آجال أخرى للتقادم غير تلك المشار إليها في المادة 5 (ق.م.ج)، نجد الظهير الشريف رقم 1.56.270 الصادر في 10 نونبر 1956 المعتبر بمثابة قانون القضاء العسكري، حيث نصت المادة 150 منه على أن احتساب أمد التقادم لا يبدأ في جرائم العصيان والفرار وقت الحرب والفرار إلى بلاد العدو إلا ابتداء من بلوغ الجاني 50 سنة. ونذكر كذلك جرائم الصحافة التي لا تتقادم إلا بمرور ستة أشهر من تاريخ ارتكاب الفعل موضوع المتابعة (المادة 101 من القانون رقم 88-13 المتعلق بالصحافة والنشر)، وكذلك الأمر بالنسبة للجرائم الغابوية التي تتقادم بمرور ستة أشهر من تاريخ تحرير المحضر أو ثلاث سنوات من تاريخ ارتكاب المخالفة، طبقا للمادة 75 من الظهير الشريف الصادر في 10أكتوبر1917 المتعلق بحفظ الغابات واستغلالها.
ومن الاتفاقيات الدولية هناك اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية التي اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2391 المؤرخ في 26 نونبر 1968، والتي دخلت حيز التنفيذ في 11 نونبر 1970 وفقا لأحكام المادة الثامنة منها، حيث جاء في مادتها الأولى أنه: لا يسري أي تقادم على الجرائم التالية بصرف النظر عن وقت ارتكابها:
أ- جرائم الحرب،
ب- الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية،
أما في قانون التعمير- ومن خلال بحثنا واستقرائنا لجميع مواده البالغ عددها 93 مادة- فلم نصادف أي نص يتحدث عن تقادم جرائم البناء أو يشير إليه أو يحيل إلى قانون آخر أو يحدد آجالا أخرى غير تلك المقررة بنص المادة الخامسة من قانون المسطرة الجنائية.
وبالرجوع إلى الفقرة الأخيرة من المادة نفسها فإنها تنص على أنه: “لا تتقادم الدعوى العمومية الناشئة عن الجرائم التي ينص على عدم تقادمها القانون أو اتفاقية دولية صادقت عليها المملكة المغربية وتم نشرها بالجريدة الرسمية”، أي أن الدعوى العمومية لا تتقادم إلا إذا نص على عدم تقادمها القانون أو اتفاقية دولية صادق عليها المغرب ونشرت بالجريدة الرسمية.
إذن فلا مجال لإثارة النقاش حول هذه المسألة في قانون التعمير، ما دام لم ينص على التقادم، مما يتعين معه الرجوع إلى القواعد العامة المنظمة لمسألة التقادم، والتي لن تكون إلا المادة الخامسة من قانون المسطرة الجنائية السالف ذكرها. وبالتالي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقر بعدم تقادم جرائم البناء والتعمير، ولو من باب الاجتهاد لأنه لا مسوغ للاجتهاد في مورد النص.
وبالرجوع إلى بعض الاجتهادات التي أقرت بعدم خضوع جرائم البناء للتقادم باعتبارها جرائم مستمرة، فهذا قول مردود على أصحابه، لأنه ليس هناك أي نص لا في التشريع الأساسي ولا في التشريع العادي يقضي بعدم تقادم الجرائم المستمرة، ثم لماذا تم تصنيف جرائم البناء على أنها جرائم مستمرة؟
تتنوع جرائم البناء والتعمير مع استمرار الزمن، فنكون أمام أشكال متعددة من الجرائم، فمنذ الشروع في إنجاز بناء مخالف للقانون يتم ارتكاب أنواع متعددة من جرائم البناء، فمثلا عندما يقوم شخص ما بارتكاب مخالفة ما أو جريمة ما في مجال التعمير والبناء، يقوم أولا بإعداد الخشب من أجل إسناد الأعمدة فهو في هذه المرحلة يشرع في ارتكاب الجريمة، فيقوم المراقب بتحرير محضر في حقه لارتكابه مخالفة تتمثل في الشروع في إنجاز بناء مخالف لقانون التعمير.

* باحث في سلك الدكتوراه قانون خاص

تعليق واحد

  1. أحییک أخي الکریم سي أحمد قطني علی هذا المقال القیم والذي یسد فراغا کبیرا وثغرة یستغلها مجموعة من الأطراف المتدخلة من أصحاب النوایا السیئة للتستر علی مخالفات التعمیر بل والتشجیع علیه مستغلین ضبابیة النصوص التشریعیة في هذا الباب الذي هو “التقادم في جرائم التعمیر”. لقد أزلت الکثیر من الغموض عن هذا الملف وهذا هو الدور الإیجابي المنتظر من باحثین حقیقیین من أمثال طینتکم، أتمنی لک کل التوفیق والنجاح في مسلک الدکتوراه إن شاء الله ومزیدا من العطاء والتنویر والاجتهاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى