fbpx
افتتاحية

حكومة “التصور الأولي”

كلما وقعت فاجعة، بحثنا عن “تصور أولي”، وعن برنامج عمل وحُزمة إجراءات وتدابير ومشاريع ومخططات، سرعان ما تُوضع في الرف، في انتظار فاجعة جديدة.
أول أمس (الخميس)، سأل جلالة الملك وزير الداخلية عن كارثة هلاك 28 عاملا وعاملة في قبو لصناعة الملابس بأحد الأحياء السكنية بطنجة، فقال له إنه، بموازاة التحقيقات التي تشرف عليها الأجهزة المعنية، هناك “تصور أولي” قيد الإعداد.
كنا نتمنى أن يكون في حوزة الوزير تصور نهائي لوقف عداد الفواجع والمآسي والمآتم، التي أضحت تتكرر في المغرب، كل سنة، على نحو مخيف جدا، لكنه فضل رمي الكرة في ملعب المستقبل.
وكنا نتمنى، أيضا، أن يحضر وزير الداخلية ورئيسه في الحكومة أمام الملك منتشيين بانتصارهما في الحرب على الكوارث البشرية، ويقدمان في حضرته تقريرا عن التدابير الحازمة والإجراءات القانونية والعقابية، التي نجحت في الحد من التسيب والفوضى والتساهل والفساد في عدد من القطاعات المهيكلة وغير المهيكلة التي تكون، عادة، سببا في انفجار، أو حريق، أو حادثة سير، أو غرق، أو انهيار بنايات، أو صعق بالكهرباء، أو ردم تحت الأنقاض.
في 2008، اعتقدنا أن الحريق المهول، الذي التهم مصنعا للنسيج بالحي الحسني بالبيضاء، وخلف حوالي 56 قتيلا وعددا بلا حصر من المصابين والمفجوعين، سيكون درسا للمسؤولين لوضع “تصور أولي”، يمهد لتصور قار، تنتهي معه هذه المآسـي.
لكن، بعد ست سنوات على “روزامور”، تأكد أن الحكومة عادت إلى سباتها الأزلي، ولم تستفق منه إلا بعد إزهاق 23 روحا تحت أنقاض ثلاث عمارات بحي بوركون بالمدينة نفسها، في واحد من أكبر الأدلة على حجم الفساد، الذي ينخر مجال الرخص والتصديق في قطاع البناء والتعمير. وهنا التزمت أيضا الحكومة في عهد عبد الإله بنكيران، بوضع “تصور أولي”، لم ير النور إلى اليوم.
وتمر الأيام..
وتنهار عمارة في حي سباتة، ويحترق مصنع أحذية بفاس، ويُقتل أطفال في انقلاب حافلة بطانطان، ويُدفن مسافرون تحت جبل هار بضواحي مراكش، وتموت نساء ببولعلام من أجل كسرة خبز، وينقلب قطار ببوقنادل، ويجرف سيلٌ لاعبين وملعبا بُني على مجرى واد في غفلة من السلطة.
قوافلٌ من الجثث والموتى والمكلومين والأرامل واليتامى والمشردين مرت في عشر سنوات الماضية، في وقت مازالت الحكومات المتعاقبة تبحث عن “تصور أولي” لا يريد أن يكتمل، أو لا يُراد له أن يكتمل.
إن المسألة برمتها لا تحتاج إلى تصور أولي، أو نهائي، أيها السادة.
فيمكن بنقرة على حاسوب أن تعثر على آلاف التصورات والمقترحات والصيغ والحلول، لكننا نحتاج إلى إرادة سياسية قوية:
أولا، لقطع دابر الفساد المعشش في عدد من القطاعات، وهو الفساد الذي يسمح لنفسه بالركوب فوق ظهر القانون، باستعمال أنواع الرشاوي والعطايا والأغلفة المالية، والهدايا لإغماض العيون، حتى يصبح “العلني” “سريا” في واضحة النهار.
ثانيا، ربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة، والضرب بصرامة على الأيادي المتورطة في أفعال غير قانونية، حتى تصبح عبرة للأيادي الأخرى.
ثالثا، تفعيل آليات المراقبة والتتبع عن قرب وإيلاء الحكامة أهمية في الواقع، بعيدا عن الشعارات والخطابات الجوفاء.
رابعا، تدعيم استقلالية القضاء، حتى تتحول أحكامه إلى أدوات فعلية للزجر والتخويف والردع، وليست مطية للتسيب، من منطلق “مالهم آش غادي يديرو ليا كاع، آخرتها فلوس”.
هذه هي المداخل الأساسية لوقف النزيف.
وبدونها، سيبقى كل ما تفعله الحكومة مجرد “تصورات أولية” عقيمة، لذر مزيد من الرماد في العيون.
حتى أصابنا العمى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى