fbpx
ملف الصباح

“فلانتاين” 2021 للنسيان

لا معنى للاحتفال وسط الأسلاك الشائكة والعسس والكشافات ولا يكتمل العيد إلا بطرح الكمامة أرضا
لا يؤمن الحب بالمسافات البعيدة، وإلا تحول إلى رماد و”نسيان دوت كوم”.
أما إذا تعلق الأمر بعيد الحب، فتلك مصيبة، إذ لا معنى، بالمطلق، أن تحتفيا بهذا الإحساس الرائع وأنتما في حالة حجر صحي، مفروض عليكما بقوة فيروس قاهر.
لا نفرح بعيد الحب إلا في «درس حضوري»، وداخل فصل واحد، وفي يوم محدد في السنة، وبنَفَسين ورُوحين وجسدين وحُلمين وفرَحين..بعناق واحد، وكثير من القبلات وباقة ورد حمراء.. نكاية في كل الألوان الأخرى. فكل الأعياد والمناسبات يمكن أن نجد لها بديلا، أو صيغة، أو حيلة من أجل احتفال مُكره عن بُعد، إلا الحب، فهو عصي، بطبيعته، على قوانين الطوارئ، ومتمرد على إجراءات التباعد الاجتماعي وتدابير الوقاية القصوى.
فالحب لا يتفشى ويكبر ويصبح وباء وعدوى وجائحة، ويُسقط عددا، بلا حصر، من الإصابات، وترتفع نسبة «الفتك» في صفوف العشاق، إلا بالتقارب الجسدي، وأساسا بطرد عادة تدليك الكفين بمعقمات بروائح نفاذة، وشمهما بعد ذلك مثل حمقى، ولا يكتمل العيد، في الهزيع الأخير من الليل، إلا بطرح «الكمامة» أرضا، ومعها أشياء أخرى، في لحظة «طيران» فارقة.
هذا هو بالضبط، العيد الذي تصوره القديس «فلانتاين» وقدم حياته قربانا له في القرن الرابع عشر. لم يكن، بالنسبة إليه، أكثر من حيلة للتقارب، أو خدعة للانفلات من رقابة التباعد الاجتماعي الذي كان يفرضه رهبان الكنيسة على الرجال والنساء لغرض في أنفسهم.
عاش «فلانتاين» متمردا على الصكوك وأشكال الغفران، ووقف لوحده مصلوبا فوق خشبة فكرة خطيرة في زمن بعيد، تعتبر الحب مشاعا ولذة مادية وقربا وتقاربا، فرموه بالكفر والزندقة والخبـــــــل.
أما صبر الإمبراطور «كلوديوس الثاني» فقد نفد بسرعة، حين أفتى هذا القديس بجعل علاقات الحب والزواج مباحة وسط الجنود والعساكر، حتى يتحمسوا ويقاتلوا بشراسة في ساحات الوغى، فزُج به في قبو صغير تحت الأرض، لم تمنعه ظلمته من كتابة رسائل عشق خالدة إلى حبيبته، التي لم تكن سوى ابنة سجانه.
سقط «فلانتاين» شهيدا في سبيل لحظة حب «عن قرب»، ولم يجل بخاطره، ولو في الحلم، أنه سيأتي يوم، نمارس فيه عادة الحجر على الاحتفال بعيد يحمل اسمه، أو سيأتي قومٌ بعد سبعة قرون، ينتصرون لتعاليم الكهنة والمسيحية، ويطلبون منا أن نحتفي بـ»التليكومند»، اتقاء للسعات كورونا القاتلة.
فقد يحمل هذا الذي سيقع السبت المقبل أي شيء آخر غير عيد الحب. يمكن أن يكون حبا مع وقف التنفيذ أو حبا فقط بلا معنى، لذلك نقترح أن نؤجل ذلك إلى وقت لاحق، حتى لا نزعج عمنا «فلانتاين» في قبره.
يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى